Friday, December 7, 2007

فرصة عمل


عندما كنت أعمل مديرا مسؤولا في احدى الشركات ، قمنا بنشر اعلان طلب موظفة للعمل كمدخلة بيانات على الكمبيوتر.. وظيفة سهلة ومريحة ولاتتطلب الكثير من المهارات إلا مجرد معلومات بسيطة عن النظام يمكن استيعابها من قبل أي شخص بسهولة ويسر ، وبصفة حضرتنا المدير المسؤول عن الشركة ومن ضمن مسؤولياتي مقابلة المتقدمات للتعيين فقد تم اعداد قائمة من قبل السكرتيرة تحدد مواعيد مقابلة المتقدمات لهذه الوظيفة العظيمة.
رن جرس الهاتف الداخلي في مكتبي ، لتعلمني السكرتيرة بان إحداهن قد حضرت حسب الموعد وان علي الاستعداد لمقابلتها..اجبتها بالموافقة وان بامكانها ادخال الفتاة...وبعد برهة قصيرة دق باب المكتب فدخلت السكرتيرة وبصحبتها فتاه وسيدة كبيرة يظهر انها والدتها!... دعوتهما للجلوس فجلسا وبدأت السيدة الكبيرة بتفحصي وتفحص المكان والتجول بنظراتها الحادة بين انحاءه...
ولأنني شخص لماح أو كما يقولون "افهمها وهي طايرة".. فقد أدركت ان المهمه الأساسية لهذه الام هي تقديم خدمة المرافقة والحماية القسرية لابنتها ..ربما من الذئاب أمثالي.. مع العلم بأنني لا انتمي مطلقا الى تلك الفصيلة من المخلوقات...وادركت بالفراسة ان محاولات السكرتيرة لاقناع الام بان المقابلات محصورة على المتقدمات للوظيفة قد باءت بالفشل وانه لابد من سياسة الأمر الواقع...لذا وبعد فترة بسيطة من الصمت بادرت بسؤال فحواه " من منكما تحديدا المتقدمة لوظيفة مدخلة البيانات؟" أجابت الأم مع التأشير باصبعها: هذه الفتاه وهي ابنتي..هنأت نفسي على فراستها..وبتعبير وجه جاد وقاسي بادرت بالقول للام بانه غير مسموح لها بالتواجد أثناء المقابلة ، وانها بكل ترحيب يمكنها انتظار ابنتها في مكتب السكرتاريا..والام بالطبع لم يعجبها ما سمعت مني ولكنها أخيرا قررت الاذعان لقولي ربما تحت تاثير الخوف من ان تفقد ابنتها الوظيفة!...

وبعد سلسلة الأسئلة الروتينية الواجب الاستفسار عنها لهذا النوع من الوظائف خطر لي وبشكل مباشر ان أسال الفتاه عن سبب اصطحاب والدتها معها للمقابلة......وكانت المفاجأة ويالهول المفاجأة....

أجابتني الفتاه وبكل فخر واعتزاز وبهذه المفردات تحديدا: ... "وهل تعتقد سيادتك انه يصح للفتاه ان تخرج وحدها"! ... اعتراني الذهول والصمت .. فتابعت وياليتها لم تتابع...." ان الفتيات لايجب ان يخرجن لوحدهن بدون مرافق ابدا ..فمن يدري .. ماذا يمكن ان يخطر ببال الفتاة"!!!! لذا يجب ان يكون هناك احد آخر دائما وابدا.

وحتى اقرب الصورة لكم يا اصدقائي.. فان الامر هنا اشبه بسجين قد سجن ظلما وسئل عن رأيه في السجن فيجيب بان السجن أفضل من الحياه في الخارج ، فلا احد يمكن ان يتوقع ماذا يمكن ان يحدث له خارجاً!!.. وهذا هو ايها الاعزاء قمة القمع البشري فان نصل لدرجة تغيير الطبيعة الانسانية ، ونتلاعب بالعقول حتى تصبح معدومة القدرة على اتخاذ قرار او ممارسة اختيار ، لا وبل قد يصبح قرار الشخص المقموع اسوأ مما قد يتخيله الشخص القامع.. فهذا منتهى البلية وذروة الشر.

اعتقد انه قد حان الوقت – والخطاب هنا للرجال فقط – بأن نتوقف عن دعم هيمنة الحضارة الذكورية ونبدأ بالاستماع لصوت المنطق بان لكل انسان بالغ عاقل ، ذكر او انثى ، الحق في فرصة عادلة في هذه الحياة وهذه الفرصة هي احترام انسانيته اولا وحريته ثانيا وترك الوصاية القسرية والتخلي عن عقلية التحكم واستعمار الانثى.. فالموضوع اخطر مما نظن....فدعونا نتابع..

تنتشر هذه الأيام ظاهرة تعلق الرجال بفتيات الليل بشقيهما المحلي والمستورد حتى تحولت العملية إلى تجارة منتشرة تسيطر عليها مافيات منظمة ، وتجد الرجل من هؤلاء ينثر نقوده يمينا ويسارا في اماكن السهر والنوادي من اجل نظرة أو ابتسامة او موعد فلقاء.. وقد يصل به الامر الى حد التعلق بإحداهن وينفق عليها كما يقولون دم قلبه تاركا زوجته واولاده وبيته محتاجا ربما الى اساسيات الحياة.. فما هوالسبب الذي يجعله هكذا وما هو السحر الذي يجده في بنات الليل ولا يجده في زوجته؟..... وقد اثبتت الدراسات غير الرسمية ان معظم الرجال من هذا الصنف يمتلك امرأة من النوع المقموع كما هي فتاتنا السابقة ووالدتها وهذا النوع بعد فترة تصبح الحياة معه اشبه بالحياة برفقة خشبة ... فالمرأة عندما نمارس عليها الوصاية القسرية وسياسات القمع وقراءة وتحفيظ قوائم الممنوعات والمحظورات اليومية والشهرية والفصلية والسنوية ، وكأنها كائن متخلف أو مخلوق غير مكتمل النمو.. فان تلك المرأة تتحول إلى شخص يسبب الكثير من الملل ونحن الرجال بجبروتنا المعهود ننسى بأننا نحن السبب في هذا الملل لذا نهرب من مواجهة المشكلة التي خلقناها بأنفسنا إلى امكنة اخرى لاتتواجد فيها المشكلة.....

نحن ربما بسبب موروثات أو معتقدات خاطئة جعلنا من المرأة مخلوقا مسلوب الارادة... ثم اكتشفنا باننا لانستطيع التعايش مع مخلوق من هذا النوع فهربنا منه الى مخلوقات ليلية كاملة الحرية ووقعنا في مطب الازدواجية بين "ما نحب" و"ما نعتقد".

انني ادعوكم اصدقائي واعزائي إلى انهاء تلك الازدواجية واستبدالها بالبديل الطبيعي والحقيقي وهو حالة التوحيد بين مانحب وما نعتقد.... والطريق الى حالة التوحيد يبدأ بالحرية ولا بديل عن الحرية فالمرأة ياأصدقائي مخلوق رقيق عطوف محب جميل والجمال خلق ليكون حرا طليقا محلقا.

Monday, November 26, 2007

Cheat Code

ينتشر هذه الأيام بين أوساط الشباب واليافعين مصطلح له أهمية كبيرة في عالمهم وهو cheat code و لمن لم تسعفه ثقافته من عالم البالغين بفهم او معرفة هذا المصطلح ، فانه يعني مفتاح الغش أو مفتاح الفرج كما احب أنا ان اسميه ، ومبدأ عمل "التشيت كود" هذا مبدا بسيط جدا ، فهو مجموعة من الاحرف والارقام يتم ادخالها إلى لعبة من العاب الكمبيوتر مما يؤدي الى اكتساب قوة جبارة ، أو كميه هائلة من النقود ، أو حتى حياة لانهاية لها ، فتتمكن من كسب تلك اللعبة بتفوق وبسهولة شديدة.

وألعاب الفيديو أو الكمبيوتر وللعلم قد تطورت تطورا عظيما ، واصبحت تحاكي الواقع الفعلي بدرجة كبيرة جدا و في اوجه متعددة ، فمنها الحربية والاستراتيجية والرياضية والمغامرات ، لا بل هنالك العاب الان تشابه وتقلد الحياة نفسها.. وعند ادخال ال cheat code الى تلك الألعاب فانك تتحول تلقائيا الى سوبرمان يمتلك اسلحة جبارة وموارد غير محدودة وسلطة لانهائية ، وهنا تبدأ المتعة الحقيقية ، فلا شيء بعدها يمكنه ان يقهرك ، ولاتقدر اية قوة ان تزحزح جبروتك!...ولكن المفاجئ حقا انك وبعد مرور فترة بسيطة ، تصبح اللعبة بمجملها لعبة مملة ولا معنى لها ، مما يؤدي بك الى هجر تلك اللعبة ولعن الساعة التي ادخلت بها "التشيت كود" ، فقد أصبحت في وضع لاتحسد عليه ، فانت لم تعد تستطيع اللعب بشروط اللعبة الصعبة الاصلية ، كما ان اللعب بالشروط السهلة لم يعد يحقق لك المتعة المرجوة ، فهل ينطبق هذا على الحياة نفسها؟ سؤال خطير جدا.... دعونا نرى:


كان حكمائنا العجائز يؤكدون دائما على عدم وجوب طلب المال والسعي اليه مدعين بان من أعطاه الله المال ربما حرمه نعمة الصحة ، ولم يتطرقوا ابدا لمن اعطاه الله المال والصحة سوياً!..ربما هي حالة لم يصادفها حكمائنا العجائز ..حتى يطرحوها كاحد الاحتمالات الممكنة الحدوث في حياة الانسان والدليل صديقي القادم هذا:


فهذا الصديق يعتبر من أساطين المال والأعمال ، وهو بالمناسبة يمتلك صحة ثور من الطراز البلدي ، يعاني من اكتئاب مزمن مصاحب لحالة أرق شديد ، وقد تمكنت من اكتشاف ذلك عندما ترافقنا في رحلة خارج حدود البلاد ، وكما يقولون لاتعرف الانسان الا عند السفر ، ففي ساعة صفاء بعد يوم وليلة حافلة اعترف لي اعترافا خطيرا...فقد قال: أتدري يا صديقي اني اكبر مزيف عرفه التاريخ! ، فأجبته مستغربا لماذا..كيف؟ ظاناً انه يعني بقوله تزييف العملة أو شيء من هذا القبيل ، فأجابني قائلاً: اني أكبر مزيف للسعادة ، فالناس تراني في سيارتي الفارهة أو في مكتبي الفخم أو برفقة زوجتي الجميلة ، مبتسما نضرا يفوح مني عبق الحياة ، وهم لا يعرفون اني أكثر الناس تعاسة واكتئابا وحزنا ، فقد فقدت الاحساس بطعم الحياة الحقيقي ولم يعد لأي شي معنى ، فكل ما اريده او ارغب به استطيع الحصول عليه بلمح البصر.


انها حالة طبيعية فصديقنا هذا قد حصل على الكود ، واصبحت لعبة الحياة بالنسبة له أسهل من أن تطاق!.


أما الحالة الأخرى ، فهي لأحد الأشخاص الذين يشار اليهم بالبنان في عالم الجمال والدلال وصاحب غزوات وانتصارات حمراء عظيمة ، بل وبلا مبالغة يمكن اعتباره اسطورة من اساطير زمانه وشهريار القرن الحادي والعشرين بلا منازع ، هذا الدونجوان وبفضل مهاراته غير الاعتيادية اصبح بالنسبة اليه موضوع اصطياد إمرأة...اية إمراة وايقاعها في شباكه عملية اسهل من اصطياد سمكة تعيش وحيدة في حوض اسماك صغير ، ونتيجة لتلك السهولة فقد مل اللعبة واصبحت ممارسته لها من قبيل انه لم يجد شيئا آخر يفعله غير الاستمرارفي تلك الهواية.. والحق يقال ان حياة هذا الرجل غنية باحداث غاية في الطرافة ومليئة بقصص شديدة الاثارة والغرابة ، ومن الممكن ان اقص عليكم احدى مغامراته اللطيفة في مقالة خاصة - اذا سمح لي بالطبع – وللعلم فقد نصحت صديقنا هذا في محاولة مني لاخراجه من دائرة اللاجدوى ، بأن يؤلف كتابا وحلفت له ايمانا غليظة بأن كتابه هذا ان وجد طريقا للحياة فسيكون نبراسا ودليلا يهتدى به لقطاع واسع من الذكور والفحول التعساء في عالم الحب والغرام والاشواق والهيام.


الحياة يا أصدقائي ليست مجرد لعبة ، ولن تكون كذلك أبدا..الحياة فن ونحن في هذه الدنيا لسنا مجرد لاعبين ، انما نحن محترفين للفن .. فن الحياة .. فكما ان اللوحة الفنية لاتكون سكبا للون واحد فقط انما اندماج وتوافق وهارمونية لمجموعة ألوان ، وكما ان المقطوعة الموسيقية لاتكون نقرا متواصلا لنوتة واحدة لاتتغير انما تتابع وتجاذب وانسيابية لنوتات وطبقات عديدة ، فكذلك الحياة فهي ليست لعبة مال أو سلطة أو ملذات ، انما هي تناسق وتنافر وتجاذب وتباعد وانسجام يتداخل ويؤثر ويتاثر ، لذا فمن المهم ان نفهم هذا الفن ، فن الحياة حتى نستطيع ان نعيش الحياة.. نعيش وليس مجرد أن نتعايش أو نعتاش او نتعيّش ، ولنتذكر دائما حتى لو لم نقتنع بان الحياة فن ، وحتى لو اصررنا على انها مجرد لعبة نلعبها ، لنتذكر جيدا ان لعبتنا هذه لعبة الحياة وللأسف لايوجد لها "تشيت كود".

Monday, November 19, 2007

أوجه الحقيقة

مالذي يمكن ان تثيره هذه الصورة فينا؟ سؤال بسيط جدا ولا اعتقد ان اي منا بحاجة إلى اكثر من بضعة ثوان للإجابه عليه ، ومن المحتمل ألا نكتفي فقط باجابة اعتيادية انما قد نسترسل ونفصل ونصول ونجول فيما يمكن ان تثيره هذه الصورة وقد نصل الى حد الشعر، وربما اذا حالفنا الحظ بمستمع من النوع الجيد لبدئنا بسرد لتاريخنا النسائي الحافل بمثل هذه المرأة وغيرها من ذوات الدلال و خارقات الجمال.

ولكن السؤال الأهم والابسط من سابقه والذي يجب ان نطرحه فعلا هو عن ماهية تلك الصورة؟ هل هي مجرد وجه جميل وجذاب ؟ ام صورة لامرأة مثيره ؟ بل ربما هي صورة موديل محترفة قد تكون معروفة على نطاق واسع لم تسعفنا ذاكرتنا في التعرف على اسمها الكريم ، وقد يدور جدال حول كون النسب الجمالية في هذه المرأة هي من صنع الطبيعة وحدها ام بفضل مشارط وأدوات اخصائيي تجميل محترفين.

واذا نظرنا للأمر من زاوية تقنية فالسؤال يصبح : هل هذا وجه امرأة ام هو مجرد مجموعة من البيكسلز (النقاط الضوئية) مجتمعة ومرتبة بتنسيق وبدرجة وضوح وشدة اضاءة معينة ، والحق يقال ان النظرة الى تلك الصورة بالطريقة التقنية السابقة سيلغي اي تأثير سابق لتلك الصورة وسيصبح الامر بالنسبة الينا مجموعة من المصابيح الصغيرة جدا جدا مرتبة ترتيبا معينا.

اذكر انه عندما كنا في فترة المراهقة اتانا احد الأصدقاء وبيده لفافة بداخلها شريط فيديو متحرر من مقص الرقيب ، وقد دخل علينا دخول الفاتحين المنتصرين العائدين بالغنائم ، وخلال مشاهدتنا الحثيثة لهذا الشريط المتحرر قاطع صمتنا وذهولنا صديق آخر بقوله: ماهذا الذي تشاهدونه؟ انه ضوء مجرد ضوء يخفت احيانا ويشتد احيانا أخرى.. وهذا الصديق المسكين وقتها قذفناه باحذيتنا مطالبين اياه بالصمت وبان يخفت هو الى الأبد ليدعنا وشأننا غارقين في متعة المشاهدة.

واستطيع ان اقول الآن محللا سبب غضبنا من هذا الشاب بأنه قد اعطانا جرعة من الحقيقة أكثر مما كنا بحاجة اليه في ذلك الوقت ، والأكثر من ذلك انه قد افقدنا متعتنا فعلا ، فانا تحديدا دون باقي الاصدقاء لم استطع متابعة باقي احداث الشريط المتحررة ، من غير ان افكر بأن ما اشاهده هو مجرد انعكاس للحقيقة وليس الحقيقة نفسها اي انه ببساطة وهم ضوئي.

أما الطامة الكبرى والجرعة المخيفة من الحقيقة ، فقد كانت من شخص آخر وهو مدرس مادة الأحياء أو البيولوجي ، هذا المدرس المحترم قد طلب من حضراتنا نحن طلابه الأعزاء بأن يقوم كل واحد منا بانتزاع شعرة من شعيرات صدره ويضعها تحت المجهر، لنبدأ الرؤية من خلال عدسة المجهر لتلك الشعرة ، وقد نظرت انا من فتحة المجهر ويالهول مارأيت: عوالم من الكائنات المخيفة تتجمع وتعيش مع وعلى تلك الشعرة ، مع العلم باني كنت قد اغتسلت في صباح ذلك اليوم ، واهما ان جسدي لي وحدي بينما هو ملكية مشتركة لملايين الكائنات الحية ، وقد علت في ذلك اليوم صرخات الاستعجاب والهول من جميع تلامذة الصف.

هل للحقيقة وجه واحد ، ام اوجه متعددة ، من هي العدسة الأكثر صدقا ، هل هي عدسة العين ام عدسة المجهر؟

يقول العلماء ان الانسان يرى ويسمع ويحس بدرجة معينة مدروسة ودقيقة ، وهي ما يحتاجه بالضبط للاستمرار في حياته ، ولو كانت اكثر أو أقل من ذلك فانه سيفقد القدرة على الاستمرار وستصبح حياته اشبه بالجحيم ، ولكن الانسان كائن مفكر ، وليس هناك حدود لنطاق أو مدى هذه الطاقة التفكيرية ، وهو أي الانسان من خلال التفكير والتجربة والتعلم تتكون لديه المعرفة وتتشكل الخبرة ، وتلقائيا تصبح الحقيقة أو مجموعة الحقائق منظومة دائمة التطور والتجدد.

وهنا يكون الصراع حول مفهوم الحقيقة من حيث كونها نسبية ام مطلقة صراع لا معنى له ، فالحقيقة ليست كينونة صنمية محددة تمارس انوجادها زمانيا ومكانيا كاشكالية وهدفا لاكتشاف يحققه البشر، انما هي عملية انسيابية متناغمة حدودها الكون تتمازج وتتقاطع وتتفاعل بديناميكية مع مسيرة الجنس الانساني.

Saturday, October 13, 2007

ملامح . . الإنسان الأردني!

لا أدري اذا كان ماسأكتبه الآن هو مدح أم ذم ، ولااعرف اذا كان في مجمله جادا ام ساخرا ، مطولا ام مختصرا ، ولا استطيع أيضا ان اتوقع ردة فعل متلقي هذه المقالة وخصوصا اذا اعتبر هذا المتلقي ان عنوانها يعنيه شخصيا كانسان اراد له القدر ان يكون اردني ، فخارطة الفعل ورد الفعل في المنظومة الأردنية غير واضحة المعالم اصلا ... ولكن دعونا وقبل البدء في هذه المسيرة المقالية أن نضع تعريفا واضح المعالم لهذا الانسان الاردني.

الإنسان الأردني: هو كل انسان عاش ولفترة تمتد أكثر من عشر سنوات متواصلة داخل حدود الأردن بغض النظر عن بلد المنشأ ( وذلك حسب تعبير الاخوة المستوردين) أو عن الخارطة الوثائقية... نعم الوثائقية وليست الجينية بهذه البساطة هذا هو الانسان الاردني ، وذلك لانه في فترة عشر سنوات يكتسب الانسان عادة قاموس البيئة العام ، وهذا القاموس ليس لغويا وحسب وانما لغويا و اصطلاحيا .. ولا نبالغ اذا اعتبرناه اسلوب حياة شامل وليس مجرد قاموس.. نعم يكتسب الانسان هذا كله في فترة عشر سنوات.

مشكله الانسان الاردني الأولى تكمن في كونه غير معروف على حقيقته ، فليس لهذا الانسان صورة او سمة عامة يمكن من خلالها تمييزه عن الآخرين من قاطني هذا العالم ، وهو من جهة اخرى لم ولن يستطيع ايصال صورة غير مشفرة عنه وذلك إما لانعدام مهارة التعبير والنقد أو لعدم امتلاك التقنية اللازمة للتداول مع الآخرين والتعبير عن الذات ، والدليل على هذا هو عدم نجاح اي تجارب درامية اردنية حتى على المستوى المحلي وذلك لانعدام فن الحوار مع الآخر.

(الآخر)... وهذا مصطلح مهم جدا في قاموس الانسان الاردني فالآخر هو كل ماليس أنا حيث تبدأ الدائرة بالكون كله وتنتهي بأقرب فرد في الاسرة... أخي .. أبي ...أمي....فالانسان الاردني يجد صعوبة فطرية في عملية الانتماء إلى مجموعة ... مهما كانت تلك المجموعة زملائه .. عائلته ... جيرانه ....اصدقائه وبل وتصل هذه الصعوبة إلى المجموعات المؤقتة زمنيا كمجموعة الركاب في وسيلة نقل عامة فهو حقيقة لا يستطيع بسهولة تبادل الحديث مع الركاب الآخرين في الباص مثلا أو الصاعدين معه في مصعد لاحد العمارات العالية..... وكذلك تجد من الندرة في مطاعم ومقاهي وأماكن المدن العامة تواجد مجموعات تتجاوز الشخصين في الأردن.. وتلك لامانة النقل ليست احصائية وانما هي مجموعة من عمليات الملاحظة المتتابعة لهذه الظاهرة من شبه انعدام المجموعات.

الآخر هو دائما غريب ولولا خشية خدش الحياء العام لقلنا الاخر هو دائما عدو فأخي هو عدوي ومنافسي في الميراث وزميلي هو عدوي ومنافسي على الكرسي... وأحيانا الطاولة..... وصديقي هو عدوي ومنافسي على فتاتي التي احب أو حتى منافسي على نظرة من عابرة سبيل... وابن عمي هو عدوي ومنافسي في المباراة العائلية العالمية لمن هو فهمان وناجح أكثر وجاري هو ايضا عدوي ومنافسي اللدود على موقف السيارة وفي بعض الأحيان على سطل الزبالة أو على احتلال الموقع الاستراتيجي لجهاز الاستقبال (الدش) على سطح العمارة.

وفي ظل المفهوم السائد بأن الآخر هو عدو دائما وأبدا ولن يتغير مع القسم بأغلظ الأيمان والحلفان بأنه لن يتغير حتى بعد موته.. فإنك اول ما تلاحظه على الوجه الاردني هو العبوس أو الكشرة حسب التعبير السائد اردنيا.. لذا لا تستغرب اذا سألت أي سائح جلبته الأقدار إلى الديار الأردنية...يأن انطباعه الأول (أنا مابيعرف ليش هاذا شعب هنا في اردن دايمان في كشرة) هذا اذا كان السائح هندي ويقول ( أنا ماعرفش هما مكشرين ليه... هو في ايه) اذا كان السائح مصري ويقول( مابيضحكو للرغيف السخن) اذا كان سائحا أو تاجرا شاميا.. وهم اي السواح مساكين لايعرفون سر تلك الكشرة بأنها هي خط الدفاع الأول ضد الآخر والله يسترهم من التعامل مع الخطوط الدفاعية الأعمق.

وهذا يقودنا الى الحديث عن الخطوط الدفاعية وهو مصطلح مهم جدا جدا في القاموس الأردني... لا بل هو اكثر من مجرد مصطلح انه عنوان يندرج تحته العشرات من السلوكيات المعقدة التركيب والفهم... فالكشرة كما عرفنا سابقا خط الدفاع الأول وهي سمة عامة وسلاح شائع الاستعمال لدرجة تقترب من الشمول.

أما الخطوط الدفاعية الأخرى فتختلف من شخص إلى آخر كطريقة أو مجموعة طرق ولكنها تتفق في استراتيجياتها العامة وخطوطها العريضة فهي بشكل عام تتخذ صيغة التهكم أو التعدي أو الاستغابة أو البهتان أو كلهم معا.. وهناك الاستراتيجية الملقبة باستراتيجية الأسئلة السمجة والتي يكون الهدف الأول منها خلق قائمة طويلة من العيوب واسقاطها على الشخص المقابل لتعزيز حس التفوق عند الشخص السائل وحس التفوق هذا مهم جدا لتعزيز الشخصية وواعطاء حس بالثقة زائف ولكنه مريح لبعض الوقت وكنتيجة لما سبق يعتبر البدء بالتكتيكات الهجومية ضمانا لتحطيم الثقة بالنفس عند الآخر فالهجوم هو خير وسيلة للدفاع وهذا مايدركه جيدا الانسان الاردني فاذا حقق هدفه يصبح الشخص المقابل جاهزا للانتماء إلى قائمة قليلي الحيلة.

وقليلي الحيله هؤلاء هم مجموعة تكاد تكون جل الشعب الاردني فهم السواد الأعظم وهم الأغلبية المسحوقة من قبل الأقلية الذين سندعوهم من الآن فصاعدا كثيري الحيلة وفي معظم شعوب الأرض وكما جرت العادة تكون الطبقة الشعبية مسحوقة من قبل الحكومة أو من قبل جهة اخرى خارجية ظاهرة ام خفية -كالاستعمار مثلا- أما ان يسحق الشعب بعضه بعضا فهو الجديد والسبق الذي ليس وراءه أي سبق والذي حققه الإنسان الاردني ولا فخر.

ونعود لموضوع قليلو الحيلة فهؤلاء أشخاص موضوعين في قوالب لا يستطيعون الخروج منها وقد تم وضعهم داخلها من قبل أقرب المقربين اليهم ومنذ بداياتهم الأولى.. فالأب والاخ الأكبر وكبير العائلة والمدرس وشيخ الحارة والطبيب وكل من له سلطة بحكم معرفته او بحكم القدر يمارس القولبة على من هم ادنى منه درجة فالأوامر والاحكام والنصائح والمعلومات تصدر دائما في اتجاه واحد وليس مسموحا لها ان تكون في اتجاهين ابدا... اذا قليلو الحيلة ليسو درجة واحدة وانما هم فوق بعضهم بعض درجات واذا اردنا ان نكون واقعيين أكثر فالندية غير موجودة على الاطلاق فالانسان الاردني اما غالب او مغلوب وإما قاتل او مقتول واما مسيطر او مسيطر عليه ولا يعترف الانسان الاردني بعلاقة الانداد او الاقران فهناك دائما وسيلة للتفوق على الآخر والمضحك المبكي حقا انك قد تحاور انسانا مقهورا من قبل انسان اخر فيقول لك انا اخذه على قدر عقله فانا من يضحك عليه اي انه يتم تفسير الهزيمة بصورة انتصار.. واذا امعنت في التحليل فإن هذا التفسير هو 2 في 1 فهو يجلب التقدير من الآخر وفي نفس الوقت يريح الشخص المفسر.

في ظل هذا كله نجد ان بعض الناس قد اختار ان يكون متفرج فقط اي انه لايعيش الحياة وانما يتفرج عليها فقط.. وهؤلاء الفئة المتفرجة ليست بالضرورة من فئة قليلي الحيلة او اي فئة اخرى محددة ولكنها تشكيلة من جميع الفئات اوصلها اليأس الى منطقة اللاجدوى فهم متفرجون وبدون اي تعليق.

Saturday, October 6, 2007

باب الحارة

هناك حكمة تقول
Just be your self and let the others see how beautiful you are
وتعني بالعربية "احرص ان تكون على سجيتك وستدرك كم يراك الآخرون جميلا" ، وأنا لا أعرف بالتحديد من هو صاحب هذه الحكمة ، أو من أي أرض أتت ، ولكني متأكد من أنها لم تأت من الأراضي العربية ، ولكن وعلى أية حال فتلك الحكمة تعني ان لكل انسان طبيعة متفردة تميزه عن الآخرين ، وعليه فإن مهمة الانسان الأولى الحرص على تلك الطبيعة ليبقى متفردا متميزا محافظا على قيمته الأساسية ، مستمرا بالحصول على تقدير الآخرين

من المتفق عليه ان الطبيعة الاصلية لأي انسان هي ما يولد عليه مضافا له ما يحققه من مكتسبات وخبرات ليصبح في النهاية كيانا انسانيا متفردا.. مساهما في بناء مجتمعه المحيط به ، متفاعلا معه ، ونسبة تقبل المجتمع لأي فرد تتناسب مع مقدار أصالته وتفرده.. فنحن جميعا نكره النسخ المقلدة ونحب مايثير فينا مشاعر التجديد والحداثة مهما كان مستوى الأداء ، فنحن لا نستطيع احتمال شخص يقلد شخص آخر في طريقة الكلام مثلا ونطلب منه الكف عن ذلك والعودة إلى طريقته الأساسية في الحديث ، ولا نستطيع احتمال قصيدة تحمل ملامح شعرية لشاعر آخر ولكننا دائما نمنح الفرصة لأي مبادرة أصيلة حتى لو كانت قيمتها الفعلية منخفضة

في هذه الأيام يتابع المشاهد العربي.. العمل الدرامي السوري "باب الحارة" ولقد أخبرني أحد الأصدقاء الإعلاميين بأن هذا المسلسل حصل على المركز الأول في قياس نسب المشاهدة ، ومع اني لاأعرف ما يعنيه ذلك على وجه التحديد ولا كيف يقيسون نسب المشاهده هذه ، إلا انني أستطيع القول بأني أنا وتقريبا جميع من أعرفهم نتابع هذا العمل بشكل يومي ومنذ بداية عرضه ، مما يعني انه اذا كنا سنتحدث عن هذا العمل الدرامي ، فنحن سنتحدث عن قصة نجاح وظاهرة تستحق التوقف عندها ، ومع اقرار العديد من المشاهدين بأن هذا العمل مطول وان القصة لا تستحق كل تلك الساعات من البث ، بل يمكن اختصارها إلى النصف بدون فقدان اية قيمة ، إلا انهم لايستطيعون التزحزح عن مجالسهم والتحديق في شاشاتهم حينما يحين وقت العرض، فما هو السر؟ دعونا نرى

ان السر يكمن في الحكمة السابقة التي بدأنا بها حديثنا ، فالقائمون على هذا العمل لم يقدموا لنا قصة ذات بنية محكمة وأبعاد درامية متعددة المستويات وشخصيات مركبة ومعقدة ، بل هي حكاية شعبية بسيطة ذات بعدين – الخير والشر- وهم حتى لم يخرجوا بنا خارج الاستوديو إلا في مشاهد قليلة مقحمة في محاولة لخلق شخوص ونماذج بطولية تمنح العمل قيمة وطنية أشعرت المشاهد بأنه تم افتعالها...اذا لماذا كل هذا النجاح؟ وتلك النسبة العالية من المشاهدة؟ وسر حالة انغماس المشاهدين في أحداث هذا العمل؟..انه ببساطة الصدق والأداء على السجية ، حيث ينقل المشاهد بسلاسة إلى جو طبيعي تلقائي حقيقي نجح بتجسيد واقع الزمان والمكان ليضعنا مباشرة أمام بيئة شامية صرفة جميلة ، إضافة إلى الأداء التمثيلي الخالي من عمليات التحوير و التبعيد عن الواقع والحوار بلكنة واصطلاحات تنتمي إلى ذات البيئة.. بأصالة وواقعية ..

والشيء الذي أراد القائمون على هذا العمل قوله ببساطة "هانحن ذا" وهاهي الطريقة التي كنا نعيش بها ببساطة وصدق ننقلها لكم بدون اي رتوش وافتعال ، مما أدى إلى غفران عمليات التطويل المتعمدة لأغراض هي بالطبع تجارية ، ومع ان كلامي هذا قد لايعجب النقاد المحترفين وربما يجدوه سطحيا وتافها ولكن على اية حال انا لست ناقدا دراميا محترفا ولكنني معني بالنجاح من الناحية التحليلية وعلى كافة المستويات والأصعدة

نحن جميعا ننشد القبول من الآخرين ونشعر بلذة وسعادة ونشوة اذا ما قمنا بعمل ما واعتبره الآخرين مميزا وامتدحونا لأجله ، ولكنا أحيانا نقع في سوء التقدير.. ونقلد الآخرين وذلك كانعكاس لحالة إعجاب شعرنا بها نحو عمل أو اسلوب ما وأدى ذلك بنا إلى ارتكاب عملية تقليد لاكتساب ذات التقدير، بينما نغفل عما يكون داخلنا من طاقة ربما لو أطلقناها لكانت النتائج مرضية ومقبولة بشكل أكبر

وقد يكون من المفيد ان اذكر هنا مثال آخر للأصالة في الأداء وقصة اخرى من قصص النجاح ، وهي قصة المغني العالمي الجزائري الشاب خالد.. فهذا الشاب الوهراني الأصل والذي غنى بنبض بلدته وهران وابتدع اسلوبا وايقاعا غنائيا جديدا (الراي) اصبح اليوم مميزا ومطلوبا على مستوى العالم ، والدليل هو حفلاته الغنائية في أوروبا والتي تمتلئ بالجمهور بشكل لم نشهد له مثيل من أي مغني عربي آخر

انها الأصالة يا أصدقائي نعم الأصالة باختصار هي أول خطوة نحو النجاح ..فلنسبر أعماق انفسنا وليبحث كل منا عما تخبئه نفسه من طاقة وامكانيات كامنة ، ولنخرج إلى الواقع تلك الأفكار الفريدة التي تدور في رؤوسنا.... ولنكن على ثقة بأننا عندما نظهر للعالم بنفس مانحن عليه فسيشعر العالم بأننا صادقين وطبيعيين ومتميزين.. أما عندما نحاول التقليد والتشكيل والتجميل فسيرفضنا العالم وسيلقي بنا جانبا في أحد الهوامش وإعلموا يا أصدقائي ان النقي ليس كالمنقى ، والسائر ليس كالمسير، والجميل ليس كالمجمل

Friday, September 28, 2007

الحب ..الحب

في أحدى محاضرات مادة مبادئ الفلسفة في الجامعة بادرنا البروفيسور بسؤال بدا لنا وكانه سؤال تافه.. لقد طلب منا ان نذكر ونعدد له اشياء ذات شكل دائري .! فبدأنا تباعاً بقذف الاجوبة بسرعة واستخفاف .. الرغيف ، الدولاب ، القمر ، الشمس ، الساعة.. الطبق .. الاسطوانة . . . فقاطعنا قائلا: مع احترامي لكل أجوبتكم ولكن لاشيء مما ذكر تنطبق عليه مواصفات الدائرة المتعارف عليها هندسيا.. فالدائرة كمفهوم هي حركة محورية لنقطة حول مركز تبتعد عنه مسافة ثابتة وجميع اجاباتكم السابقة هي لاشياء شبه دائرية ولكن لو تم قياسها بدقة فسنكتشف انها ليست سوى محاولات للاقتراب من الشكل أو المفهوم الدائري . .. والنتيجة – والكلام للبروفيسور- انه لايوجد في العالم دائرة كاملة الدوران، ولا حتى سطح تام الاستواء ، ولا خط تام الاستقامة ، حتى مفهوم التساوي ايضاً هو مجرد فكرة فلن نستطيع ان نجد اي شيء مساو لشيء آخر تماماً.. ، والفلاسفة يقولون ان هذه المفاهيم المطلقة موجودة فقط في عالم المثل وليس في هذا العالم الذي نعيش فيه

هذا كان ملخص شديد الاختصار لموضوع تلك المحاضرة اللعينة ، والتي جعلتنا ننظر لعالمنا هذا بطريقة أخرى ، حيث اكتشفنا وبطريقة مفاجأة ان جميع ما تحتويه ذاكرتنا ونعتبره من المفاهيم الثابتة في عقولنا ، ليس له ما يقابله من مشاهدات الواقع ، والسؤال الأخطر الذي يقفز للذهن ، هل ينطبق هذا الكلام على مفهوم الحب ، وهل من الممكن ان يكون هذا المفهوم الجميل والذي يأخذ من اعصابنا واهتمامنا ونشبعه تحليلاً وتعريفاً واحصاءاًً ، هل من الممكن أن يكون وهماً وليس له مايقابله على أرض الواقع ، أي بالعربي الفصيح هل يمكن ألا يكون هناك حب؟ في هذا العالم

لانبالغ اذا قلنا ان لكل منا مفهومه الخاص عن الحب.. فلا يوجد تعريف متفق عليه بين الناس عالمهم و جاهلهم ، فاشكالية الحب ليست بنفس بساطة موضوع الدائرة السابق ، ولكنه بلا شك موضوع في منتهى الأهمية ويرتبط ارتباطاً وثيقاً باستمرارية الحياة وجدوى الوجود..والادهى من ذلك ان الحب هو مسألة شخصية ولابد ان نجد انفسنا في يوم ما مضطرين للتعامل معها.. والويل كل الويل لمن تعامل مع موضوع الحب بسطحية أو بتسرع.. فهو سيصبح خبير دولي في شؤون التعاسة والكآبة ومتمرس محترف لمكافحة عمليات النكد المتعمدة وغير المتعمدة وستصبح حياته سلسلة من العذابات المتتالية

إذا فلنتفق على ان مسألة الحب خطيرة وهي ليست مجرد ترف فكري أو أدبي ، انها بكل بساطة مسألة سعادة أو تعاسة ، حياة او موت ، والقصة تبدأ دائما من المنطقة المسؤولة عن الخيال في داخلنا ، حيث تنمو أول بذرة محبة لتصور لنا مفهوما غالبا مايكون بدائيا وساذجا عن الحب ، وتستمر تلك الفكرة بالنمو متغذية على تجاربنا وخبراتنا المكتسبة ومطالعاتنا واطلاعنا على تجارب الآخرين ، حتى يتكون لدينا ما نعتقد انه تصور نهائي او تعريف دقيق لماهية الحب ، وعندها تبدأ عمليات البحث عن الشريك ، والذي سنمضي معه بقية حياتنا بسعادة حتى النهاية ، لنعيش بسبات ونبات ونخلف صبيان وبنات..ولكن هل هذا مايجب ان يحصل دائما بالضرورة..؟.. طبعا لا فهناك احتمالات كثيره لهذه القصة ، فالبذرة الأولى التي ذكرناها سابقا قد تكون مشوهة أصلا ، وأرضية الخيال التي نمتلكها قد لا تكون خصبة ، وحتى تجاربنا وتأثراتنا الاجتماعية والفكرية قد تؤدي بنا إلى بناء تصور نهائي بعيد تمام البعد عن المفهوم المفترض للحب

تقول الاسطورة اليونانية القديمة ان لكل انسان نصف آخر لو استطاع العثور عليه لكان أسعد مخلوق على وجه الأرض واذا لم يستطع فإنه سيحاول عبثا ان ينشد السعادة ولن يجدها ، والمشكلة في تلك الاسطورة انها تقول ان هذا النصف الآخر ليس من المحتم ان يكون موجودا في نفس المكان الذي يتواجد فيه نصفه ، وايضا ليس بالضرورة ان يكون في ذات الزمن... وان الحكمة في هذا الوضع من صعوبة الحصول على الحب وندرته ، هي مايجعل للحب قيمة عالية ، يستحق من خلالها ان يكون هدفا أسمى...اسطورة جميلة بلا شك ولكن دعونا نعود الى عالم الواقع

ان استحالة الحصول على شيء دائري بدقة وتمام كما ذكرنا في البداية، ليست مشكلة عويصة كما تخيلنا سابقا ، فالانسان يكتفي بالدائرية الممكنة الحدوث في عجلات سيارته مثلا لانها تكفي لايصاله من مكان إلى آخر، ويكتفي بالاستواء الحاصل في ارضية بيته ، ولا يعنيه النتوؤات المجهرية التي لن تعيقه عن التمتع بتلك الأرضية.. ومفهوم الحب عند الانسان وان كان غير ناضج تماما إلا انه قد يكفيه لتحقيق سعادته المنشودة

هناك حكمة انجليزية معاصرة تقول "من الممكن ان تحب قلبا قد عذبك ولكن لاتعذب قلبا قد أحبك" وقد قالت الام تريزا: احتياج الناس للحب في هذا العالم يفوق كثيرا احتياجهم للخبز. أما العالم الكبير والشديد الظرف أنيشتاين فقد قال: ان الجاذبية الأرضية ليست مسؤولة ابدا عن هؤلاء الذين يقعون في الحب. وحتى الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش قال في الحب: الحزن والتعاسة والضغينة جميعها لها نهاية أما الحب فليس له نهاية أبدا. جميع هؤلاء وغيرهم كثير قد قالو في الحب .. ولكن في نهاية الأمر لاشيء يمكن ان يكون مضمونا وللأسف لاتوجد قواعد محددة لهذه اللعبة ، وقد يكون هذا ما يمنحها كل تلك الجاذبية ، لذا فنصيحتي مهما كانت النتائج ، تابعوا اللعب ، ولاتتوقفوا عن الحب

Friday, September 21, 2007

الخوف

الموت مع الجماعة رحمة.. لا أدري من اطلق هذا المثل ومتى ولكنه بلا شك مثل في منتهى العبقرية، ومع انه يختلف عن معظم الأمثال حيث انه لم يطلق من واقع تجربة او نتيجة حدث معين، انما هو مثل معرفي استنتاجي، فلم نسمع عن احد قد جرب احساس الموت مع جماعة وعاد ليصفه لنا بانه رحمة و يختلف حقا عن الموت كفرد.

باعتقادي ان هذا المثل يتحدث عن الخوف، والموت كما نعرف جميعا هو الخوف الأكبر الذي ليس منه مفر ولا يخفف وقعه علينا إلا كونه مصيرا مشتركا لكل منا، ومواجهة هذا الخوف الأكبر مع جماعة يجعله أقل وطأة وهنا تكمن الرحمة.. اذا هو الحديث عن الخوف وليس عن اي شيء آخر فما هو الخوف؟ بالضبط

الخوف هو شيء غير موجود على أرض الواقع فلا احد رأى أو سمع أو حتى تمكن من تخيل شكل الخوف أو تحديد ملامح له، لكنه مع ذلك موجود ويعيش معنا والأسوء من ذلك انه يعيش في داخلنا.. وليس في مكان آخر.. نعم انه يعيش في داخلنا جميعا وبدون استثناء فلكل منا خوفه الذي يعيش مستقرا بداخله، ومع اننا جميعا نكره الخوف، الا اننا بكل غباء نغذيه وننميه ، وبعضنا قد يستمر بفعل ذلك حتى يغدو هذا الخوف وحشا يقضي على صاحبه

الخوف يا اصدقائي هو فكرة..مجرد فكرة انطلقت من رأس احد اجدادنا الاوائل الموغلين في القدم، وحتى نستطيع ان نفهم ذلك دعونا نستعين بالخيال ونعود إلى الانسان الأول حيث تم اختراع فكرة الخوف وذلك عندما تعرض اول انسان لأول خطر من وحش بري مثلا وقرر انه لايريد ان يتعرض لمثل هذا مرة اخرى، وهنا انطلقت الشرارة الأولى لفكرة الخوف وتناقلت وتم توارثها لتصبح اليوم كما قلنا سابقا شيئا يعيش داخل كل منا

قال أحد الحكماء: اذا خفت من شي فحاول ان تقع فيه فان الوقوع فيه اهون من الخوف منه، وهذا كلام سليم مائة في المائة، والكثيرون منا قد جربوا ذلك ولو لمرة واحدة في حياتهم، وأحد الأصدقاء أخبرني انه كان يخاف كثيرا من السباحة ولكنه بعد ان أجبروه على تعلمها عرف كم كان سخيفا حينما كان يخاف من الماء، ولكن الأمر ليس دائما بهذه البساطة فكتب علم النفس الآن مليئة بأنواع لا حصر لها من الخوف فمن الزوفوبيا وهي الخوف من الحيوانات إلى الكلاستروفوبيا وهي الخوف من الأماكن المغلقة وحتى الفوبوفوبيا وهو الخوف من الخوف نفسه وفي كتب علم النفس أكثر من 55 نوع من أنواع الخوف

وانا شخصيا اعتقد ان الخوف هو أصل الشر في العالم فالفضل يعود له في اختراع واقتناء اكثر الاسلحة المعاصرة فتكا، فعندما نخاف من الآخر نجهز له العتاد والسلاح وقد نبادر بالهجوم لانه أفضل تقنية للدفاع، ومع ان هذا يجعلنا معتدين على الآخر، الا ان الخوف هو المبرر الجاهز دائماً، واذا نظرنا بتمعن في حياتنا وعلاقاتنا مع الآخرين والشرور التي نمارسها بحقهم لوجدنا ان الخوف هو ما يجعلنا أشرارا

أحد الفنانين المعروفين وهو يتربع على عرش احد الفنون بلا منازع او منافس منذ اكثر من عشرة أعوام يصرف 75% من طاقته الذهنية اليومية لمحاربة اي فنان يحاول البروز ويصرف باقي الطاقة الذهنية للابداع الفني، وقد قلت له في لحظة صفاء، اليس من الأجدى ان تصرف جميع ماتملك من طاقة لمصلحة الابداع؟ عوضا عن صرفها لمحاربة الفنانين الآخرين

اننا كما قلت نغذي الخوف في داخلنا والأولى أن نحاول القضاء عليه ولا ندعه يتمكن منا ويخلق لنا اعداء وهميين نفني عمرنا بمحاربتهم ومحاولة القضاء عليهم ففي العمر اشياء احلى نستطيع ان نمارسها والحياة ستكون أجمل لو اننا عشناها بدون عداوات ومؤامرات ومعارك، افلا يكفينا عبرة ان الحياة قصيرة.. نعم انها قصيرة لذا دعونا نحاول ان نقتل هذا الخوف الذي يعيش في مكان ما في داخلنا ونسكن بدلا عنه في نفس المكان شيء يسمى الحب

Tuesday, September 11, 2007

الضحك والجمال

احدى شخصيات مسلسل الخيال العلمي الأمريكي (ستار تريك) هو مستر داتا (الرجل الآلي)، والذي قام بدوره الممثل الموهوب برينت سبينر، ومستر داتا هذا يشابه الانسان العادي في الشكل ولكن يفوقه في الأداء، فهو يمتلك ذاكرة خارقة وقدرات عقلية هائلة ومهارات رياضية وتحليلية رفيعة المستوى، ومقدرة على العمل بدون توقف وقدرة جسدية جبارة وقوة وسرعة عاليتين، أي انه بمعنى آخر سوبرمان او أندرويد كما يطلقون عليه في المسلسل.

ومع انه يمتلك جميع ماسبق ذكره من قدرات وامكانيات يحسده عليها البشر، إلا ان مشكلته كانت تكمن في انه لم يستطيع ان يفهم شيئين اثنين فقط وهما الضحك والجمال، انه ومع كونه يمتلك مخزون شبه لانهائي من النكات والقصص المضحكة، والتي يمكن ان يرويها لك بدون كلل او ملل حتى تطلب انت منه التوقف عن ذلك إلا انه لا يضحك مطلقا ولم يستطع ابدا فهم التقنية البشرية الخاصة بالضحك حتى أصبحت امنيته الوحيدة ان يضحك ولو لمرة واحدة فقط حتى لو مات بعدها.

أما الشيء الثاني وهو الجمال فهو يستطيع ان يلقي عليك محاضرات في علم الجمال والهيئة ويروي بدون تعب تاريخ تطور الذوق الانساني من بداية التأريخ وحتى اللحظة ولكنه لايستطيع تذوق لحنا او لوحة أو الاحساس بجمال تمازج الألوان لحظة الغروب او الاستمتاع بتأمل انثى صارخة الجمال.

مستر داتا كان دائما يجيب على الاسئلة المطروحة عليه من قبل زملائه معطيا اجابات دقيقة وواضحة ولانه يعرف كل شيء فلم يحتج ابدا الى توجيه اية سؤال لزملائه ما عدا الاسئلة المتعلقة بالضحك والجمال والتي غالبا ماتكون الاجابة عليها ضحكة ومغادرة هذا المسكين حائرا لا يعرف لماذا هم يضحكون أصلا.

اننا في مشوار الحياة نسعى نحو القوة والسلطة والمال والجنس ونحارب لامتلاك ادوات السيطرة ونمضي سنوات طويلة لنحصل العلم والخبرات ونتطلع دائما إلى المزيد من التحديات والمغامرات ونتعارك ونتصالح وننخرط في كيانات اجتماعية ونتصارع مع الزمان والمكان والموجود واللاموجود وقد ننجح او نفشل في كل ذلك او بعضه..لايهمنا ذلك ابدا مادمنا نمارس الحياة ونمشي في مشوارها، ولكن اذا دققنا النظر قليلا وجدنا انفسنا وفي خضم صراعنا في هذه الحياة قد اصبحنا بطريقة ما وبدون ان ننتبه مثل السيد داتا، فقد نسينا الضحك واصبحنا لانحس بالجمال.. كيف حصل هذا؟ وهل هذه مبالغة.. دعونا نرى.

من منا لايذكر ضحكته حينما كان طفلاً.. هذا الرنين الصاخب الصافي الذي كنا نطلقه ونحس بصداه في قلوبنا وأعماقنا، ونراه اليوم بريقا في عيون اطفالنا وهالة من السعادة تحيط بوجوههم واجسادهم البريئة..فننظر اليهم وبريقهم ينعكس علينا شاعرين بالغبطة..متسائلين كم من الأشياء فقدناها ونحن نكبر.

ومن منا لا يذكر حبه الأول وكيف كان يراه ويسمعه ويدركه ويحس به الى درجة الاستغراق والغياب في شخص المحبوب، كان المحبوب وكل مايتعلق به او يصدر عنه يثير فينا اعلى درجات الاحساس والمعايشة الجمالية، وهي درجات لا يمكن ان نعيشها في ايامنا الحاضرة لانها تتعلق باداة قد فقدت منا اثناء مشوار الحياة وهي اداة الاحساس بالجمال.

قد يعارض البعض هذه الكلام وقد يدعي عكسه باننا في كبرنا نضحك بوعي اكبر ونحس اكثر بمواطن الجمال.. ولكني اقول وانا متأكد دعونا نفكر قليل..ا ونشغل ذاكرتنا ونحاول استرجاع آخر ضحكة اطلقناها من القلب... وانا اعني ما اقول.. من القلب... اننا نضحك الآن هذا صحيح ولكن ضحكاتنا التي نطلقها اليوم هي اشبه بهستيريات لمؤثرات صوتية مرافقة لفلم اثارة او رعب، فنحن الان نضحك اما نفاقا أو طباقا او مجاملة او مداهنة اومجاراة او حتى لمجرد لفت نظر الآخرين وفي كثير من الآحيان نطلق ضحكات مزيفة ومع انها تزعجنا وتشكل ضغطا على أعصابنا الا اننا نتوكل على الله ونطلقها...مالذي أضعناه من طفولتنا؟.. حتى بتنا لانستطيع ان نمارس الضحك الحقيقي.

في أمريكا اليوم تنتشر نوادي للاضحاك على طول الولايات وعرضها يأتيها هواة الاضحاك والراغبين في الضحك من كل حدب وصوب يمارس فيها نوع من الكوميديا يسمونه (الستاند أب كوميدي) اي فن الاضحاك على الواقف ويسمونه هكذا لان (الكوميديان) يلقي مافي جعبته وهو واقف على منصة أمام الجمهور، والمراقب لمثل هذا النوع من الكوميديا يجد ان معظم مايضحك الناس في تلك النوادي هو ماله علاقة بالمبالغات والمفاراقات المتعلقة بالمواضيع الجنسية أو النقد الإجتماعي اللاذع وأحيانا المهاترات الكلامية الجارحة التي تحدث بدون ترتيب مسبق بين الكوميديان وأحد الحضور الذي ألقى به حظه العاثر ليقع فريسة بين انياب كوميديان خبير بشؤون الشراسة وافتراس وتعرية الآخرين...
ان ثقافة الاضحاك والضحك المعاصرة اليوم هي ثقافة عدوانية تهدف إلى تعرية الآخر والنيل منه واختراق خصوصيته أو انها تكريس لاظهار واقع سلبي مبالغ فيه تسيطر عليه لغة النحن كنوع من النقد او جلد الذات.

مازلت اذكر من مراحل الطفولة نوع الكوميديا التي كنا نمارسها انا ورفاقي من الأطفال.. فقد كنا في ذلك الزمن الجميل نسمو ونحلق في مخيلتنا وذلك بتصوير اوضاع افتراضية تلامس ابعد حدود الخيال ونتشارك كمجموعة في توقع تصرفاتنا وسلوكنا في هذا الوضع المفترض الذي يصبح في النهاية بناء تراكمي تصوري جميل نعود بعده إلى الواقع مشحوذي المخيلة سعداء بوضع يشبه الاجازة في منتجع سياحي فخم ينسى فيه الانسان ضغوط العمل والحياة ويعود الى حياته مشحون بالطاقة والأمل.

ان معظم الناس في هذه الايام لايعرفون كيف يعيشون اللحظة الحاضرة ويستمتعون بها، فهم كذلك لأنهم اما في حالة إجترار واعادة حسابات للأحداث التي حصلت في الماضي، او في تحسب و خوف من المستقبل وهذا الخوف تحديدا يمنعهم عن معايشة اللحظة والاحساس والاستمتاع بها، وقد قال الامام علي بن ابي طالب شيئا جميلا في هذا المعنى لاَ تَحْمِلْ هَمَّ يَوْمِكَ الَّذِي لَمْ يَأْتِكَ عَلَى يَوْمِكَ الَّذِي قَدْ أَتَاكَ فنحن الان ليس لدينا الوقت الكافي للتأمل والاحساس باي قيمة جمالية حتى ولو كانت امام نظرنا وبشكل مباشر.

وحتى اثبت لكم ذلك..من منا يذكر اخر مرة تداول فيها بالشعر قائلا ام مستمعا ام مرددا..لاشك ان الاجابة على هذا السؤال ستعود بالقارئ الى ايام المدرسة وحصة الادب العربي... وهذا تماما ما قصدته فالشعر مثلا قد يكون موجودا امامنا بين صفحات كتاب هنا او هناك ولانعيره اي اهتمام، وحتى ولو بطريق الصدفة تناهى الى سمع احدنا بيت من الشعر من جهاز التلفزيون لاحد البرامج الادبية القليلة اصلا، لدخل الشعر من هنا وخرج من هناك دون ان نعيره اي اهتمام وبدون اي ادراك لاهمية تطوير التذوق الجمالي الفطري لدينا، لا بل قد نقوم بالتحويل إلى قنوات الفيديو الكليب مفضلين ثقافة العري والتعري على الادب والفن والذوق والجمال.

اننا نعمل ونتعامل هذه الأيام بما يتعارض مع طبيعتنا وفطرتنا لذا فقد تغيرنا وغيرنا المعادلات الطبيعية لتكويننا البشري حتى اصبحنا نفتقد ابسط الأشياء في هذه الحياة....الضحك والجمال.

Thursday, August 30, 2007

محبوبتي العربية

اللغة العربية . . حبي الأول ولما لا.. فقد كانت اول من ظهر لي في اوائل تشكل الوعي. . انها محبوبتي الحقيقية أقولها بكل وضوح وفخر، ومع اننا الآن ولضرورات التواصل مع الآخرين او حتى لعدمها نتعايش مع لغات اخرى في العمل والحياة إلا ان لقائي اليومي مع محبوبتي مازال الشيء الوحيد الذي يسعدني، هذا اللقاء اليومي الحميم بين طيات كتاب أو على اطراف مقالة أو بين أبيات الشعر، هذا اللقاء الذي ينقلني من عالم الواقع إلى عالم لا أدري اهو اكثر واقعية ام انه مجرد خيالات تدور في رأسي

واذا كان الحديث عن لقائاتي اليومية مع اللغة العربية فلابد من ذكر اني مؤخرا قد استمعتعت كثيرا بالحوار البليغ المبدع المتين البنية والذي ينقل المشاهد إلى أجواء اقل ما يقال عنها انها اجواء ساحرة وذلك في الثلاثية الدرامية الرائعة (صقر قريش، ربيع قرطبة، ملوك الطوائف) للمخرج السوري المبدع حاتم علي والكاتب الفذ د. وليد سعد

والسؤال الأزلي الذي يدور في رأسي منذ فترة طويلة دون أن أجد اجابة شافيه له . . من أين أتت اللغة العربية؟ ومع احترامي الشديد لأراء ابن فارس وابن جني والأرموي وفخر الدين الرازي وغيرهم ممن أدلى بدلوه في هذا المجال من ان لغة العرب هي إما توقيف أو الهام أو اصطلاح أو مسموعيات صوتية أو...إلخ ، إلا ان جميع ذلك لا يعطيك إلا تكهنات ونظريات وترجيحات مختلف عليها أصلا لتعود بك إلى السؤال الذي سألته في البداية . . من أين أتت اللغة العربية؟ . . بصراحة لاأحد يعرف ذلك بنفس درجة الوضوح التي نعرف بها ان الحليب يأتي من البقر مثلا

ان الانضباط والبلاغة والسلاسة والشمولية والتعددية والمنطقية والحسية والقيم الجمالية في اللفظ والتكوين تجعل من اللغة العربية ليست فقط اداة تعبيرية وتواصلية وانما تقترب إلى درجة السحر.. وكما قال الأقدمون . . ان من البيان لسحرا..أما السؤال الأزلي الآخر والذي مازال يلح علي . . لماذا العرب ليسوا عظماء بنفس درجة لغتهم؟فإذا كانت العربية هي لغة العرب فلماذا لايكون العرب على نفس الدرجة من الانضباط و و و إلى آخر سلسلة صفات اللغة العربية؟.. هل العرب هم من ابتدع العربية وإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن ابداع شيئا عظيما ممن لم يمتلك اي من مقومات العظمة؟ . . وهكذا عشرات الأسئلة تتوالى مما يؤدي إلى نتيجة واحدة. . .المزيد من الحيرة... وللحديث بقية

وبما اننا لن نصل إلى جواب شافي وكافي بخصوص ما سبق من اسئلة فلننظر إلى حال اللغة العربية اليوم.. وهي حالة لاتسر عدو ولا حبيب كما يقولون، اللغة العربية اليوم هي عبارة عن مشوهات متعددة الاصدارات .. فهناك الاصدار الشامي والاصدار المغربي والاصدار الخليجي واصدار البادية وجميع هذه الاصدارات او اللهجات لا تستحق ان توصف باكثر من كونها (تشويشات لغوية متعارف عليها اقليمياً) واذا كانت اللغة الام هي العربية فإن اللهجات التي تولدت منها تدل على مدى الحال المزري الذي وصل اليه العقل العربي

ونحن ان نظرنا نظرة مقارنة إلى اللغة اللاتينية وكيف خرج منها لغات مستقلة الشخصية منضبطة قراءة وكتابة ولفظا كالانكليزية والفرنسية والايطالية وكيف تعبر كل منها عن ثقافة وحضارة شعب لعرفنا اين نحن من خارطة الحضارة العالمية، ومثال آخر قد يساعدنا على الفهم: كم نشعر بالخزي والعار اذا صادفنا احد الاشخاص الاجانب ممن درسوا اللغة العربية الفصحى في بلادهم وأتانا إلى بلادنا وبادرنا بالقول بانه لايستطيع التفاهم معنا و ماهذه اللغة التي تتحدثونها انها تختلف كثيرا عن اللغة العربية التي اعرفها فنبدأ بدورنا بالتحدث معه بلغة عربية فصحى مكسرة

لحسن الحظ اننا مازلنا نتحدث وندرس ونقرأ ولو قليلا اللغة العربية الفصحى وان كانت اللغة الفصحى المعاصرة او كما يسمونها لغة الصحافة تختلف كثيرا عن لغة ابن زيدون الشاعر الأندلسي مثلا والذي استفتحت بشعره مقالتي

ان اللغة هي اداة التفكير والتعبير والتواصل واذا كانت لغاتنا ولهجاتنا الحالية على هذا الحال المزري فان قدرتنا على التفكير والتعبير والتواصل ستستمر في الانحدار لنصبح في نهاية المطاف وفي احسن الاحوال إما اتباعا لحضارات إخرى مهيمن علينا ثقافيا أو نراوح في اماكننا نعاني العزلة تامة عن الحضارة

Monday, August 20, 2007

خطر التكرار

أحد أصدقائي وهو يحمل درجة الدكتوراه في الموسيقى ويسعده دائما ان نناديه بـ دكتور أعطاني وبشكل مجاني معلومة شديدة الأهمية والغرابة، فقد كنا نتحدث عن الموسيقى وانحدار الذوق الاستماعي العام في بلادنا والتشابه والتناسخ في ما ينتج من مستهلكات موسيقية، وفي سياق الحديث توجه إلي بالسؤال التالي: هل تعلم ياعماد ماذا يحدث للانسان حين يستمع إلى ايقاع منتظم لفتره طويلة من الوقت؟ فأجبته بهز الرأس لا..ممممم.. ولكن اعتقد بانه لن يحدث أي شيء

أعاد الدكتور جملتي الأخيرة مع نبرة من الاستخفاف.. لن يحدث أي شيء.. وتابع.. يا صديقي العزيز اعلم بأن الانسان اذا استمع الى ايقاع واحد ولفترة تزيد عن بضع ساعات قد يصاب بالجنون أو بالصرع.. وخير دليل على ذلك مايحدث في جلسات الزار حيث يداوم الحاضرون على سماع ايقاع الزار الرتيب ولفترات طويلة ثم يبدأون بالتساقط الواحد تلو الآخر ويصابون بالرجفة وحالة الزبد وأعراض الصرع، والفضل في ذلك لايعود بالطبع لخروج الجان من الجسد كما يدعي مروجوا خرافة الزار وانما هي حالة تصيب من يستمع لتكرار نفس الايقاع ولفتره طويلة

يعني وعلى ذمة صديقي الدكتور ان الاستماع لايقاع متكرر لفترة طويلة يؤدي إلى الجنون.. ما هذا! انها بلا شك معلومة ذات قيمة تستحق التأمل.. فلنتأمل معاً

ان خطر التكرار يبدأ من الانسان نفسه.. فمن منا لم يجرب فعل شيء ما.. مثل وظيفة.. مهمة.. حركة رياضية.. محاولة شعرية.. أو حتى محاولة اصطياد أنثى في مكان عام وفشل في ذلك.. ثم كرر المحاولة وفشل، ثم كرر وفشل.. وهكذا حتى خرج بالنتيجة الطبيعية بأنه انسان فاشل ويجب أن يكف عن المحاولة.. لا، ان تلك النتيجة ليست طبيعية ابدا؛ انها نتيجة قسرية حدثت نتيجة التكرار، أي تكرار الفشل وهو لا يعني ابدا الحكم المطلق انما هو فشل لايتعدى عدد المحاولات.. فلو حاولت مئة مرة وفشلت فإن ذلك لا يعني انك ستفشل في المرة المئة وواحد، وهذا على الأقل حسب المبدأ الرياضي في علم الاحصاء و الاحتمالات

ونلاحظ خطر التكرار أيضا حينما يطلق علينا الناس أحكاما أو يمنحونا اراءً مثل؛ يااخي انت تنسى كثيرا.. او ياسيدي مع الاحترام ولكن شكلك غير مقبول عند الجنس الآخر، أو اظن ان توقعات الابراج هي شيء حتمي.. أو.. أو

ان تكرار مثل تلك الأراء والأحكام يؤثر على الطريقة التي نتعامل بها مع ذواتنا وخصوصا في حالة تكرار ذلك من أشخاص عديدين.. وكما قلنا في المثال السابق فلا يعني ابدا اذا قال لك مئة شخص بانك لست وسيما فان الشخص رقم مئة وواحد سيكون رأيه مماثلا.. فالناس تتغير اراءها وأحكامها ووجهات نظرها مع تغير الزمان والمكان، وليس بالضرورة انك انت هو ذات الشخص الذي يطلقون عليه أحكاما من وجهة نظرهم.. والدليل ان خطوط الأزياء والموضة مثلا تتبدل وتتغير من النقيض إلى النقيض وتكون على نفس الدرجة من القبول عند الناس

فكم من الناس يؤمنون بالأبراج- مع ان ابن خلدون قد قال فيها القول الفصل- نتيجة تكرار لاراء سمعوها من اناس يؤمنون بهذه التخاريف.. وكم من اشخاص تحولوا الى جانحين ومجرمين نتيجة تكرار اراء سلبية بحقهم من الآخرين..
اعتقد ان الفكرة قد أصبحت واضحة ولاداعي لسرد المزيد من الأمثلة.. والحكمة هنا ان ننتبه لهذا الخطر القادم الينا ليس فقط من الشرق وانما من جميع الاتجاهات
ويجب ان ننظر الى التكرار على انه مسألة رياضية احتمالية بحته تخلو من أي معنى أو دلالة مهما بلغت ارقام التكرار، وأن نؤمن بأن التكرار يحدث بمعزل عنا.. وأن لا نتورط في الإستغراق بالتكرار.. وإلا فنحن معرضون للإصابة بالجنون على رأي صديقي الدكتور

Wednesday, August 15, 2007

خطر الإجماع

الاسبوع الفائت جالست مجموعة من الأصدقاء ، نتجاذب أطراف الحديث في سهرة حاولنا جميعا أن تكون سهرة لطيفة ، وحتى نستكمل تحقيق ذلك اتفقنا - ونادرا ما نتفق - على ان نشاكس صديقنا رمزي وذلك أثناء تواجده في الحمام وتم الإتفاق على كيقية المشاكسة وذلك بان نخالفه الرأي في اي من الموضوعات المثبتة بديهيا (كلون اللبن مثلا) ونستمتع بردة فعله.

وبالفعل خرج رمزي من الحمام لابادره بالقول: أتعرف يارمزي كم هي نسبة الناطقين بالفرنسية من سكان باريس؟ فأجاب رمزي بسرعة: ماذا لاشك انك تمزح انها 100% وحتى من يقطن باريس من غير الفرنسيين فهو على التأكيد مضطر أن يتعلم الفرنسية... كلام جميل و معقول .. ولكن لأننا خبثاء رددنا عليه تباعا بما يلي

الأول: لا يارمزي ان المتحدثين بالفرنسية في باريس نسبتهم لاتتجاوز 50% وهي مشكلة فرنسا الأزلية ...ألم تسمع عنها في اي نشرة أخبار اولم تقرأ عنها في أي مجلة

الثاني: ماذا تقول ان سكان باريس الأصليين يرجعون إلى اصول اسبانية وذلك من أكثر من 600 عام وحوالي 60% من السكان يتحدثون الاسبانية كلغة ام واكثر من نصف هؤلاء لا يجيدون الفرنسية أصلا نصف هؤلاء... تغيرت معالم وجه رمزي قليلا وحاول المقاطعة فبادره أحدنا بـ

الثالث: ياحبيبي يارمزي لاعرف ماجرى لك ولكن أكيد سمعت عن مشكلة المدارس الأخيرة والتفاوت في المناهج بين المدارس الاسبانية والفرنسية وغيرها من المدارس الأخرى في العاصمة باريس فكيف تقول ماتقول

الرابع: ياجماعة أكيد رمزي بيمزح فهو رجل شديد الثقافة كما نعلم جميعا...انه بلا شك يمازحكم هل هناك أحد في الدنيا لايعرف بان باريس هي العاصمة الوحيدة في العالم التي لايتحدث أهلها لغتها وان ذلك يشكل وصمة عار لفرنسا امام جميع الامم الأوربية حالة صمت واستغراب تعلو وجه رمزي .... ويبدو انه اصبح على وشك موافقتنا على مانقول

فقذفه الخامس قائلا: ان فرنسا الآن تحاول إغراء السكان غير الناطقين بالفرنسية لترحيلهم إلى مدن ومناطق أخرى في فرنسا وقد أكدت لي زوجة ابن عمي الفرنسية ان ذلك كان وراء رحيلهم من باريس إلى مدينة سابونت النائية في الشمال سابونت النائية... لادري من اين أتى صديقنا بتلك المدينة . . سابونت . . ولكن على أي حال فإن رمزي أصبح في موقف لايحسد عليه

فالجميع بلا استثناء وهم بالمناسبة ثمانية أشخاص موافقون على عكس ما يعتقده هو صحيحا ونحن توقعنا منه أن يثور ويرغد ويزبد ويتهمنا جميعا بالجهل المطبق وبالتالي سنحصل على متعتنا في اغاظته والتفرج عليه..... ولكنه فاجأنا بانه وبعد أن سمع منا كل ماسبق نطق أخيرا.... ويا لهول مانطق قال: أه والله يا جماعة أنا لا امزح لابد اني سمعت عن تلك المشكلة ولا أذكر أين واعذروني لأني قد أجبت على السؤال بسرعة....وعلى أية حال ف باريس وان كان أهلها لايتحدثون لغتها!! إلا انها تبقى أروع عواصم العالم
باريس لايتحدث أهلها لغتها!!! تلك كانت النتيجة .... كيف حصل هذا وكيف توصل رمزي إلى تلك النتيجة المغلوطة....الجواب انه الإجماع.....ان للإجماع قدرة تفوق الحقائق .... وقد يؤدي الإجماع إلى طمس الحقائق وإلغائها من الوجود .... قد عبر الفيلسوف ديكارت عن ذلك حيث قال انه اذا أجمع الناس على أنهم لايرون شيئا أنت تراه...فإنك ستفقد القدرة على رؤيته
يا أصدقائي الأعزاء.... الإجماع هو خطر يجب ان نتنبه له....فكم من خرافات وأساطير ومعلومات مغلوطة تسربت إلى أعماقنا وبنينا عليها مخططات حياتنا لمجرد ان مجموعة كبيرة من الناس حولنا تؤمن بها ان أول خطوة نحو التميز هي ازالة قدسية الإجماع أي الايمان بأنه ليس من الضرورة أن يكون صحيحا كل ما يجمع عليه الناس.... ولنتذكر دائما ان جميع سكان الكرة الأرضية أجمعوا في وقت من الأوقات على ان الأرض مسطحة حتى أتى غاليليو وأثبت لهم انها كروية....وقد كلفه هذا حياته نعم فقد أعدموه لمخالفتهم وهذا يعطينا تأكيدا بأن مخالفة الإجماع محفوفة دائما بالمخاطر في المرة القادمة سأشرح لكم خطر التكرار ... فانتظروني................ انتظروا