Thursday, August 30, 2007

محبوبتي العربية

اللغة العربية . . حبي الأول ولما لا.. فقد كانت اول من ظهر لي في اوائل تشكل الوعي. . انها محبوبتي الحقيقية أقولها بكل وضوح وفخر، ومع اننا الآن ولضرورات التواصل مع الآخرين او حتى لعدمها نتعايش مع لغات اخرى في العمل والحياة إلا ان لقائي اليومي مع محبوبتي مازال الشيء الوحيد الذي يسعدني، هذا اللقاء اليومي الحميم بين طيات كتاب أو على اطراف مقالة أو بين أبيات الشعر، هذا اللقاء الذي ينقلني من عالم الواقع إلى عالم لا أدري اهو اكثر واقعية ام انه مجرد خيالات تدور في رأسي

واذا كان الحديث عن لقائاتي اليومية مع اللغة العربية فلابد من ذكر اني مؤخرا قد استمعتعت كثيرا بالحوار البليغ المبدع المتين البنية والذي ينقل المشاهد إلى أجواء اقل ما يقال عنها انها اجواء ساحرة وذلك في الثلاثية الدرامية الرائعة (صقر قريش، ربيع قرطبة، ملوك الطوائف) للمخرج السوري المبدع حاتم علي والكاتب الفذ د. وليد سعد

والسؤال الأزلي الذي يدور في رأسي منذ فترة طويلة دون أن أجد اجابة شافيه له . . من أين أتت اللغة العربية؟ ومع احترامي الشديد لأراء ابن فارس وابن جني والأرموي وفخر الدين الرازي وغيرهم ممن أدلى بدلوه في هذا المجال من ان لغة العرب هي إما توقيف أو الهام أو اصطلاح أو مسموعيات صوتية أو...إلخ ، إلا ان جميع ذلك لا يعطيك إلا تكهنات ونظريات وترجيحات مختلف عليها أصلا لتعود بك إلى السؤال الذي سألته في البداية . . من أين أتت اللغة العربية؟ . . بصراحة لاأحد يعرف ذلك بنفس درجة الوضوح التي نعرف بها ان الحليب يأتي من البقر مثلا

ان الانضباط والبلاغة والسلاسة والشمولية والتعددية والمنطقية والحسية والقيم الجمالية في اللفظ والتكوين تجعل من اللغة العربية ليست فقط اداة تعبيرية وتواصلية وانما تقترب إلى درجة السحر.. وكما قال الأقدمون . . ان من البيان لسحرا..أما السؤال الأزلي الآخر والذي مازال يلح علي . . لماذا العرب ليسوا عظماء بنفس درجة لغتهم؟فإذا كانت العربية هي لغة العرب فلماذا لايكون العرب على نفس الدرجة من الانضباط و و و إلى آخر سلسلة صفات اللغة العربية؟.. هل العرب هم من ابتدع العربية وإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن ابداع شيئا عظيما ممن لم يمتلك اي من مقومات العظمة؟ . . وهكذا عشرات الأسئلة تتوالى مما يؤدي إلى نتيجة واحدة. . .المزيد من الحيرة... وللحديث بقية

وبما اننا لن نصل إلى جواب شافي وكافي بخصوص ما سبق من اسئلة فلننظر إلى حال اللغة العربية اليوم.. وهي حالة لاتسر عدو ولا حبيب كما يقولون، اللغة العربية اليوم هي عبارة عن مشوهات متعددة الاصدارات .. فهناك الاصدار الشامي والاصدار المغربي والاصدار الخليجي واصدار البادية وجميع هذه الاصدارات او اللهجات لا تستحق ان توصف باكثر من كونها (تشويشات لغوية متعارف عليها اقليمياً) واذا كانت اللغة الام هي العربية فإن اللهجات التي تولدت منها تدل على مدى الحال المزري الذي وصل اليه العقل العربي

ونحن ان نظرنا نظرة مقارنة إلى اللغة اللاتينية وكيف خرج منها لغات مستقلة الشخصية منضبطة قراءة وكتابة ولفظا كالانكليزية والفرنسية والايطالية وكيف تعبر كل منها عن ثقافة وحضارة شعب لعرفنا اين نحن من خارطة الحضارة العالمية، ومثال آخر قد يساعدنا على الفهم: كم نشعر بالخزي والعار اذا صادفنا احد الاشخاص الاجانب ممن درسوا اللغة العربية الفصحى في بلادهم وأتانا إلى بلادنا وبادرنا بالقول بانه لايستطيع التفاهم معنا و ماهذه اللغة التي تتحدثونها انها تختلف كثيرا عن اللغة العربية التي اعرفها فنبدأ بدورنا بالتحدث معه بلغة عربية فصحى مكسرة

لحسن الحظ اننا مازلنا نتحدث وندرس ونقرأ ولو قليلا اللغة العربية الفصحى وان كانت اللغة الفصحى المعاصرة او كما يسمونها لغة الصحافة تختلف كثيرا عن لغة ابن زيدون الشاعر الأندلسي مثلا والذي استفتحت بشعره مقالتي

ان اللغة هي اداة التفكير والتعبير والتواصل واذا كانت لغاتنا ولهجاتنا الحالية على هذا الحال المزري فان قدرتنا على التفكير والتعبير والتواصل ستستمر في الانحدار لنصبح في نهاية المطاف وفي احسن الاحوال إما اتباعا لحضارات إخرى مهيمن علينا ثقافيا أو نراوح في اماكننا نعاني العزلة تامة عن الحضارة

Monday, August 20, 2007

خطر التكرار

أحد أصدقائي وهو يحمل درجة الدكتوراه في الموسيقى ويسعده دائما ان نناديه بـ دكتور أعطاني وبشكل مجاني معلومة شديدة الأهمية والغرابة، فقد كنا نتحدث عن الموسيقى وانحدار الذوق الاستماعي العام في بلادنا والتشابه والتناسخ في ما ينتج من مستهلكات موسيقية، وفي سياق الحديث توجه إلي بالسؤال التالي: هل تعلم ياعماد ماذا يحدث للانسان حين يستمع إلى ايقاع منتظم لفتره طويلة من الوقت؟ فأجبته بهز الرأس لا..ممممم.. ولكن اعتقد بانه لن يحدث أي شيء

أعاد الدكتور جملتي الأخيرة مع نبرة من الاستخفاف.. لن يحدث أي شيء.. وتابع.. يا صديقي العزيز اعلم بأن الانسان اذا استمع الى ايقاع واحد ولفترة تزيد عن بضع ساعات قد يصاب بالجنون أو بالصرع.. وخير دليل على ذلك مايحدث في جلسات الزار حيث يداوم الحاضرون على سماع ايقاع الزار الرتيب ولفترات طويلة ثم يبدأون بالتساقط الواحد تلو الآخر ويصابون بالرجفة وحالة الزبد وأعراض الصرع، والفضل في ذلك لايعود بالطبع لخروج الجان من الجسد كما يدعي مروجوا خرافة الزار وانما هي حالة تصيب من يستمع لتكرار نفس الايقاع ولفتره طويلة

يعني وعلى ذمة صديقي الدكتور ان الاستماع لايقاع متكرر لفترة طويلة يؤدي إلى الجنون.. ما هذا! انها بلا شك معلومة ذات قيمة تستحق التأمل.. فلنتأمل معاً

ان خطر التكرار يبدأ من الانسان نفسه.. فمن منا لم يجرب فعل شيء ما.. مثل وظيفة.. مهمة.. حركة رياضية.. محاولة شعرية.. أو حتى محاولة اصطياد أنثى في مكان عام وفشل في ذلك.. ثم كرر المحاولة وفشل، ثم كرر وفشل.. وهكذا حتى خرج بالنتيجة الطبيعية بأنه انسان فاشل ويجب أن يكف عن المحاولة.. لا، ان تلك النتيجة ليست طبيعية ابدا؛ انها نتيجة قسرية حدثت نتيجة التكرار، أي تكرار الفشل وهو لا يعني ابدا الحكم المطلق انما هو فشل لايتعدى عدد المحاولات.. فلو حاولت مئة مرة وفشلت فإن ذلك لا يعني انك ستفشل في المرة المئة وواحد، وهذا على الأقل حسب المبدأ الرياضي في علم الاحصاء و الاحتمالات

ونلاحظ خطر التكرار أيضا حينما يطلق علينا الناس أحكاما أو يمنحونا اراءً مثل؛ يااخي انت تنسى كثيرا.. او ياسيدي مع الاحترام ولكن شكلك غير مقبول عند الجنس الآخر، أو اظن ان توقعات الابراج هي شيء حتمي.. أو.. أو

ان تكرار مثل تلك الأراء والأحكام يؤثر على الطريقة التي نتعامل بها مع ذواتنا وخصوصا في حالة تكرار ذلك من أشخاص عديدين.. وكما قلنا في المثال السابق فلا يعني ابدا اذا قال لك مئة شخص بانك لست وسيما فان الشخص رقم مئة وواحد سيكون رأيه مماثلا.. فالناس تتغير اراءها وأحكامها ووجهات نظرها مع تغير الزمان والمكان، وليس بالضرورة انك انت هو ذات الشخص الذي يطلقون عليه أحكاما من وجهة نظرهم.. والدليل ان خطوط الأزياء والموضة مثلا تتبدل وتتغير من النقيض إلى النقيض وتكون على نفس الدرجة من القبول عند الناس

فكم من الناس يؤمنون بالأبراج- مع ان ابن خلدون قد قال فيها القول الفصل- نتيجة تكرار لاراء سمعوها من اناس يؤمنون بهذه التخاريف.. وكم من اشخاص تحولوا الى جانحين ومجرمين نتيجة تكرار اراء سلبية بحقهم من الآخرين..
اعتقد ان الفكرة قد أصبحت واضحة ولاداعي لسرد المزيد من الأمثلة.. والحكمة هنا ان ننتبه لهذا الخطر القادم الينا ليس فقط من الشرق وانما من جميع الاتجاهات
ويجب ان ننظر الى التكرار على انه مسألة رياضية احتمالية بحته تخلو من أي معنى أو دلالة مهما بلغت ارقام التكرار، وأن نؤمن بأن التكرار يحدث بمعزل عنا.. وأن لا نتورط في الإستغراق بالتكرار.. وإلا فنحن معرضون للإصابة بالجنون على رأي صديقي الدكتور

Wednesday, August 15, 2007

خطر الإجماع

الاسبوع الفائت جالست مجموعة من الأصدقاء ، نتجاذب أطراف الحديث في سهرة حاولنا جميعا أن تكون سهرة لطيفة ، وحتى نستكمل تحقيق ذلك اتفقنا - ونادرا ما نتفق - على ان نشاكس صديقنا رمزي وذلك أثناء تواجده في الحمام وتم الإتفاق على كيقية المشاكسة وذلك بان نخالفه الرأي في اي من الموضوعات المثبتة بديهيا (كلون اللبن مثلا) ونستمتع بردة فعله.

وبالفعل خرج رمزي من الحمام لابادره بالقول: أتعرف يارمزي كم هي نسبة الناطقين بالفرنسية من سكان باريس؟ فأجاب رمزي بسرعة: ماذا لاشك انك تمزح انها 100% وحتى من يقطن باريس من غير الفرنسيين فهو على التأكيد مضطر أن يتعلم الفرنسية... كلام جميل و معقول .. ولكن لأننا خبثاء رددنا عليه تباعا بما يلي

الأول: لا يارمزي ان المتحدثين بالفرنسية في باريس نسبتهم لاتتجاوز 50% وهي مشكلة فرنسا الأزلية ...ألم تسمع عنها في اي نشرة أخبار اولم تقرأ عنها في أي مجلة

الثاني: ماذا تقول ان سكان باريس الأصليين يرجعون إلى اصول اسبانية وذلك من أكثر من 600 عام وحوالي 60% من السكان يتحدثون الاسبانية كلغة ام واكثر من نصف هؤلاء لا يجيدون الفرنسية أصلا نصف هؤلاء... تغيرت معالم وجه رمزي قليلا وحاول المقاطعة فبادره أحدنا بـ

الثالث: ياحبيبي يارمزي لاعرف ماجرى لك ولكن أكيد سمعت عن مشكلة المدارس الأخيرة والتفاوت في المناهج بين المدارس الاسبانية والفرنسية وغيرها من المدارس الأخرى في العاصمة باريس فكيف تقول ماتقول

الرابع: ياجماعة أكيد رمزي بيمزح فهو رجل شديد الثقافة كما نعلم جميعا...انه بلا شك يمازحكم هل هناك أحد في الدنيا لايعرف بان باريس هي العاصمة الوحيدة في العالم التي لايتحدث أهلها لغتها وان ذلك يشكل وصمة عار لفرنسا امام جميع الامم الأوربية حالة صمت واستغراب تعلو وجه رمزي .... ويبدو انه اصبح على وشك موافقتنا على مانقول

فقذفه الخامس قائلا: ان فرنسا الآن تحاول إغراء السكان غير الناطقين بالفرنسية لترحيلهم إلى مدن ومناطق أخرى في فرنسا وقد أكدت لي زوجة ابن عمي الفرنسية ان ذلك كان وراء رحيلهم من باريس إلى مدينة سابونت النائية في الشمال سابونت النائية... لادري من اين أتى صديقنا بتلك المدينة . . سابونت . . ولكن على أي حال فإن رمزي أصبح في موقف لايحسد عليه

فالجميع بلا استثناء وهم بالمناسبة ثمانية أشخاص موافقون على عكس ما يعتقده هو صحيحا ونحن توقعنا منه أن يثور ويرغد ويزبد ويتهمنا جميعا بالجهل المطبق وبالتالي سنحصل على متعتنا في اغاظته والتفرج عليه..... ولكنه فاجأنا بانه وبعد أن سمع منا كل ماسبق نطق أخيرا.... ويا لهول مانطق قال: أه والله يا جماعة أنا لا امزح لابد اني سمعت عن تلك المشكلة ولا أذكر أين واعذروني لأني قد أجبت على السؤال بسرعة....وعلى أية حال ف باريس وان كان أهلها لايتحدثون لغتها!! إلا انها تبقى أروع عواصم العالم
باريس لايتحدث أهلها لغتها!!! تلك كانت النتيجة .... كيف حصل هذا وكيف توصل رمزي إلى تلك النتيجة المغلوطة....الجواب انه الإجماع.....ان للإجماع قدرة تفوق الحقائق .... وقد يؤدي الإجماع إلى طمس الحقائق وإلغائها من الوجود .... قد عبر الفيلسوف ديكارت عن ذلك حيث قال انه اذا أجمع الناس على أنهم لايرون شيئا أنت تراه...فإنك ستفقد القدرة على رؤيته
يا أصدقائي الأعزاء.... الإجماع هو خطر يجب ان نتنبه له....فكم من خرافات وأساطير ومعلومات مغلوطة تسربت إلى أعماقنا وبنينا عليها مخططات حياتنا لمجرد ان مجموعة كبيرة من الناس حولنا تؤمن بها ان أول خطوة نحو التميز هي ازالة قدسية الإجماع أي الايمان بأنه ليس من الضرورة أن يكون صحيحا كل ما يجمع عليه الناس.... ولنتذكر دائما ان جميع سكان الكرة الأرضية أجمعوا في وقت من الأوقات على ان الأرض مسطحة حتى أتى غاليليو وأثبت لهم انها كروية....وقد كلفه هذا حياته نعم فقد أعدموه لمخالفتهم وهذا يعطينا تأكيدا بأن مخالفة الإجماع محفوفة دائما بالمخاطر في المرة القادمة سأشرح لكم خطر التكرار ... فانتظروني................ انتظروا