Monday, November 26, 2007

Cheat Code

ينتشر هذه الأيام بين أوساط الشباب واليافعين مصطلح له أهمية كبيرة في عالمهم وهو cheat code و لمن لم تسعفه ثقافته من عالم البالغين بفهم او معرفة هذا المصطلح ، فانه يعني مفتاح الغش أو مفتاح الفرج كما احب أنا ان اسميه ، ومبدأ عمل "التشيت كود" هذا مبدا بسيط جدا ، فهو مجموعة من الاحرف والارقام يتم ادخالها إلى لعبة من العاب الكمبيوتر مما يؤدي الى اكتساب قوة جبارة ، أو كميه هائلة من النقود ، أو حتى حياة لانهاية لها ، فتتمكن من كسب تلك اللعبة بتفوق وبسهولة شديدة.

وألعاب الفيديو أو الكمبيوتر وللعلم قد تطورت تطورا عظيما ، واصبحت تحاكي الواقع الفعلي بدرجة كبيرة جدا و في اوجه متعددة ، فمنها الحربية والاستراتيجية والرياضية والمغامرات ، لا بل هنالك العاب الان تشابه وتقلد الحياة نفسها.. وعند ادخال ال cheat code الى تلك الألعاب فانك تتحول تلقائيا الى سوبرمان يمتلك اسلحة جبارة وموارد غير محدودة وسلطة لانهائية ، وهنا تبدأ المتعة الحقيقية ، فلا شيء بعدها يمكنه ان يقهرك ، ولاتقدر اية قوة ان تزحزح جبروتك!...ولكن المفاجئ حقا انك وبعد مرور فترة بسيطة ، تصبح اللعبة بمجملها لعبة مملة ولا معنى لها ، مما يؤدي بك الى هجر تلك اللعبة ولعن الساعة التي ادخلت بها "التشيت كود" ، فقد أصبحت في وضع لاتحسد عليه ، فانت لم تعد تستطيع اللعب بشروط اللعبة الصعبة الاصلية ، كما ان اللعب بالشروط السهلة لم يعد يحقق لك المتعة المرجوة ، فهل ينطبق هذا على الحياة نفسها؟ سؤال خطير جدا.... دعونا نرى:


كان حكمائنا العجائز يؤكدون دائما على عدم وجوب طلب المال والسعي اليه مدعين بان من أعطاه الله المال ربما حرمه نعمة الصحة ، ولم يتطرقوا ابدا لمن اعطاه الله المال والصحة سوياً!..ربما هي حالة لم يصادفها حكمائنا العجائز ..حتى يطرحوها كاحد الاحتمالات الممكنة الحدوث في حياة الانسان والدليل صديقي القادم هذا:


فهذا الصديق يعتبر من أساطين المال والأعمال ، وهو بالمناسبة يمتلك صحة ثور من الطراز البلدي ، يعاني من اكتئاب مزمن مصاحب لحالة أرق شديد ، وقد تمكنت من اكتشاف ذلك عندما ترافقنا في رحلة خارج حدود البلاد ، وكما يقولون لاتعرف الانسان الا عند السفر ، ففي ساعة صفاء بعد يوم وليلة حافلة اعترف لي اعترافا خطيرا...فقد قال: أتدري يا صديقي اني اكبر مزيف عرفه التاريخ! ، فأجبته مستغربا لماذا..كيف؟ ظاناً انه يعني بقوله تزييف العملة أو شيء من هذا القبيل ، فأجابني قائلاً: اني أكبر مزيف للسعادة ، فالناس تراني في سيارتي الفارهة أو في مكتبي الفخم أو برفقة زوجتي الجميلة ، مبتسما نضرا يفوح مني عبق الحياة ، وهم لا يعرفون اني أكثر الناس تعاسة واكتئابا وحزنا ، فقد فقدت الاحساس بطعم الحياة الحقيقي ولم يعد لأي شي معنى ، فكل ما اريده او ارغب به استطيع الحصول عليه بلمح البصر.


انها حالة طبيعية فصديقنا هذا قد حصل على الكود ، واصبحت لعبة الحياة بالنسبة له أسهل من أن تطاق!.


أما الحالة الأخرى ، فهي لأحد الأشخاص الذين يشار اليهم بالبنان في عالم الجمال والدلال وصاحب غزوات وانتصارات حمراء عظيمة ، بل وبلا مبالغة يمكن اعتباره اسطورة من اساطير زمانه وشهريار القرن الحادي والعشرين بلا منازع ، هذا الدونجوان وبفضل مهاراته غير الاعتيادية اصبح بالنسبة اليه موضوع اصطياد إمرأة...اية إمراة وايقاعها في شباكه عملية اسهل من اصطياد سمكة تعيش وحيدة في حوض اسماك صغير ، ونتيجة لتلك السهولة فقد مل اللعبة واصبحت ممارسته لها من قبيل انه لم يجد شيئا آخر يفعله غير الاستمرارفي تلك الهواية.. والحق يقال ان حياة هذا الرجل غنية باحداث غاية في الطرافة ومليئة بقصص شديدة الاثارة والغرابة ، ومن الممكن ان اقص عليكم احدى مغامراته اللطيفة في مقالة خاصة - اذا سمح لي بالطبع – وللعلم فقد نصحت صديقنا هذا في محاولة مني لاخراجه من دائرة اللاجدوى ، بأن يؤلف كتابا وحلفت له ايمانا غليظة بأن كتابه هذا ان وجد طريقا للحياة فسيكون نبراسا ودليلا يهتدى به لقطاع واسع من الذكور والفحول التعساء في عالم الحب والغرام والاشواق والهيام.


الحياة يا أصدقائي ليست مجرد لعبة ، ولن تكون كذلك أبدا..الحياة فن ونحن في هذه الدنيا لسنا مجرد لاعبين ، انما نحن محترفين للفن .. فن الحياة .. فكما ان اللوحة الفنية لاتكون سكبا للون واحد فقط انما اندماج وتوافق وهارمونية لمجموعة ألوان ، وكما ان المقطوعة الموسيقية لاتكون نقرا متواصلا لنوتة واحدة لاتتغير انما تتابع وتجاذب وانسيابية لنوتات وطبقات عديدة ، فكذلك الحياة فهي ليست لعبة مال أو سلطة أو ملذات ، انما هي تناسق وتنافر وتجاذب وتباعد وانسجام يتداخل ويؤثر ويتاثر ، لذا فمن المهم ان نفهم هذا الفن ، فن الحياة حتى نستطيع ان نعيش الحياة.. نعيش وليس مجرد أن نتعايش أو نعتاش او نتعيّش ، ولنتذكر دائما حتى لو لم نقتنع بان الحياة فن ، وحتى لو اصررنا على انها مجرد لعبة نلعبها ، لنتذكر جيدا ان لعبتنا هذه لعبة الحياة وللأسف لايوجد لها "تشيت كود".

Monday, November 19, 2007

أوجه الحقيقة

مالذي يمكن ان تثيره هذه الصورة فينا؟ سؤال بسيط جدا ولا اعتقد ان اي منا بحاجة إلى اكثر من بضعة ثوان للإجابه عليه ، ومن المحتمل ألا نكتفي فقط باجابة اعتيادية انما قد نسترسل ونفصل ونصول ونجول فيما يمكن ان تثيره هذه الصورة وقد نصل الى حد الشعر، وربما اذا حالفنا الحظ بمستمع من النوع الجيد لبدئنا بسرد لتاريخنا النسائي الحافل بمثل هذه المرأة وغيرها من ذوات الدلال و خارقات الجمال.

ولكن السؤال الأهم والابسط من سابقه والذي يجب ان نطرحه فعلا هو عن ماهية تلك الصورة؟ هل هي مجرد وجه جميل وجذاب ؟ ام صورة لامرأة مثيره ؟ بل ربما هي صورة موديل محترفة قد تكون معروفة على نطاق واسع لم تسعفنا ذاكرتنا في التعرف على اسمها الكريم ، وقد يدور جدال حول كون النسب الجمالية في هذه المرأة هي من صنع الطبيعة وحدها ام بفضل مشارط وأدوات اخصائيي تجميل محترفين.

واذا نظرنا للأمر من زاوية تقنية فالسؤال يصبح : هل هذا وجه امرأة ام هو مجرد مجموعة من البيكسلز (النقاط الضوئية) مجتمعة ومرتبة بتنسيق وبدرجة وضوح وشدة اضاءة معينة ، والحق يقال ان النظرة الى تلك الصورة بالطريقة التقنية السابقة سيلغي اي تأثير سابق لتلك الصورة وسيصبح الامر بالنسبة الينا مجموعة من المصابيح الصغيرة جدا جدا مرتبة ترتيبا معينا.

اذكر انه عندما كنا في فترة المراهقة اتانا احد الأصدقاء وبيده لفافة بداخلها شريط فيديو متحرر من مقص الرقيب ، وقد دخل علينا دخول الفاتحين المنتصرين العائدين بالغنائم ، وخلال مشاهدتنا الحثيثة لهذا الشريط المتحرر قاطع صمتنا وذهولنا صديق آخر بقوله: ماهذا الذي تشاهدونه؟ انه ضوء مجرد ضوء يخفت احيانا ويشتد احيانا أخرى.. وهذا الصديق المسكين وقتها قذفناه باحذيتنا مطالبين اياه بالصمت وبان يخفت هو الى الأبد ليدعنا وشأننا غارقين في متعة المشاهدة.

واستطيع ان اقول الآن محللا سبب غضبنا من هذا الشاب بأنه قد اعطانا جرعة من الحقيقة أكثر مما كنا بحاجة اليه في ذلك الوقت ، والأكثر من ذلك انه قد افقدنا متعتنا فعلا ، فانا تحديدا دون باقي الاصدقاء لم استطع متابعة باقي احداث الشريط المتحررة ، من غير ان افكر بأن ما اشاهده هو مجرد انعكاس للحقيقة وليس الحقيقة نفسها اي انه ببساطة وهم ضوئي.

أما الطامة الكبرى والجرعة المخيفة من الحقيقة ، فقد كانت من شخص آخر وهو مدرس مادة الأحياء أو البيولوجي ، هذا المدرس المحترم قد طلب من حضراتنا نحن طلابه الأعزاء بأن يقوم كل واحد منا بانتزاع شعرة من شعيرات صدره ويضعها تحت المجهر، لنبدأ الرؤية من خلال عدسة المجهر لتلك الشعرة ، وقد نظرت انا من فتحة المجهر ويالهول مارأيت: عوالم من الكائنات المخيفة تتجمع وتعيش مع وعلى تلك الشعرة ، مع العلم باني كنت قد اغتسلت في صباح ذلك اليوم ، واهما ان جسدي لي وحدي بينما هو ملكية مشتركة لملايين الكائنات الحية ، وقد علت في ذلك اليوم صرخات الاستعجاب والهول من جميع تلامذة الصف.

هل للحقيقة وجه واحد ، ام اوجه متعددة ، من هي العدسة الأكثر صدقا ، هل هي عدسة العين ام عدسة المجهر؟

يقول العلماء ان الانسان يرى ويسمع ويحس بدرجة معينة مدروسة ودقيقة ، وهي ما يحتاجه بالضبط للاستمرار في حياته ، ولو كانت اكثر أو أقل من ذلك فانه سيفقد القدرة على الاستمرار وستصبح حياته اشبه بالجحيم ، ولكن الانسان كائن مفكر ، وليس هناك حدود لنطاق أو مدى هذه الطاقة التفكيرية ، وهو أي الانسان من خلال التفكير والتجربة والتعلم تتكون لديه المعرفة وتتشكل الخبرة ، وتلقائيا تصبح الحقيقة أو مجموعة الحقائق منظومة دائمة التطور والتجدد.

وهنا يكون الصراع حول مفهوم الحقيقة من حيث كونها نسبية ام مطلقة صراع لا معنى له ، فالحقيقة ليست كينونة صنمية محددة تمارس انوجادها زمانيا ومكانيا كاشكالية وهدفا لاكتشاف يحققه البشر، انما هي عملية انسيابية متناغمة حدودها الكون تتمازج وتتقاطع وتتفاعل بديناميكية مع مسيرة الجنس الانساني.