Saturday, May 29, 2010

عذرا للغياب

السادة القراء المحترمين
تحية طيبة وبعد
ترقبوا عودتي قريبا..

Friday, December 7, 2007

فرصة عمل


عندما كنت أعمل مديرا مسؤولا في احدى الشركات ، قمنا بنشر اعلان طلب موظفة للعمل كمدخلة بيانات على الكمبيوتر.. وظيفة سهلة ومريحة ولاتتطلب الكثير من المهارات إلا مجرد معلومات بسيطة عن النظام يمكن استيعابها من قبل أي شخص بسهولة ويسر ، وبصفة حضرتنا المدير المسؤول عن الشركة ومن ضمن مسؤولياتي مقابلة المتقدمات للتعيين فقد تم اعداد قائمة من قبل السكرتيرة تحدد مواعيد مقابلة المتقدمات لهذه الوظيفة العظيمة.
رن جرس الهاتف الداخلي في مكتبي ، لتعلمني السكرتيرة بان إحداهن قد حضرت حسب الموعد وان علي الاستعداد لمقابلتها..اجبتها بالموافقة وان بامكانها ادخال الفتاة...وبعد برهة قصيرة دق باب المكتب فدخلت السكرتيرة وبصحبتها فتاه وسيدة كبيرة يظهر انها والدتها!... دعوتهما للجلوس فجلسا وبدأت السيدة الكبيرة بتفحصي وتفحص المكان والتجول بنظراتها الحادة بين انحاءه...
ولأنني شخص لماح أو كما يقولون "افهمها وهي طايرة".. فقد أدركت ان المهمه الأساسية لهذه الام هي تقديم خدمة المرافقة والحماية القسرية لابنتها ..ربما من الذئاب أمثالي.. مع العلم بأنني لا انتمي مطلقا الى تلك الفصيلة من المخلوقات...وادركت بالفراسة ان محاولات السكرتيرة لاقناع الام بان المقابلات محصورة على المتقدمات للوظيفة قد باءت بالفشل وانه لابد من سياسة الأمر الواقع...لذا وبعد فترة بسيطة من الصمت بادرت بسؤال فحواه " من منكما تحديدا المتقدمة لوظيفة مدخلة البيانات؟" أجابت الأم مع التأشير باصبعها: هذه الفتاه وهي ابنتي..هنأت نفسي على فراستها..وبتعبير وجه جاد وقاسي بادرت بالقول للام بانه غير مسموح لها بالتواجد أثناء المقابلة ، وانها بكل ترحيب يمكنها انتظار ابنتها في مكتب السكرتاريا..والام بالطبع لم يعجبها ما سمعت مني ولكنها أخيرا قررت الاذعان لقولي ربما تحت تاثير الخوف من ان تفقد ابنتها الوظيفة!...

وبعد سلسلة الأسئلة الروتينية الواجب الاستفسار عنها لهذا النوع من الوظائف خطر لي وبشكل مباشر ان أسال الفتاه عن سبب اصطحاب والدتها معها للمقابلة......وكانت المفاجأة ويالهول المفاجأة....

أجابتني الفتاه وبكل فخر واعتزاز وبهذه المفردات تحديدا: ... "وهل تعتقد سيادتك انه يصح للفتاه ان تخرج وحدها"! ... اعتراني الذهول والصمت .. فتابعت وياليتها لم تتابع...." ان الفتيات لايجب ان يخرجن لوحدهن بدون مرافق ابدا ..فمن يدري .. ماذا يمكن ان يخطر ببال الفتاة"!!!! لذا يجب ان يكون هناك احد آخر دائما وابدا.

وحتى اقرب الصورة لكم يا اصدقائي.. فان الامر هنا اشبه بسجين قد سجن ظلما وسئل عن رأيه في السجن فيجيب بان السجن أفضل من الحياه في الخارج ، فلا احد يمكن ان يتوقع ماذا يمكن ان يحدث له خارجاً!!.. وهذا هو ايها الاعزاء قمة القمع البشري فان نصل لدرجة تغيير الطبيعة الانسانية ، ونتلاعب بالعقول حتى تصبح معدومة القدرة على اتخاذ قرار او ممارسة اختيار ، لا وبل قد يصبح قرار الشخص المقموع اسوأ مما قد يتخيله الشخص القامع.. فهذا منتهى البلية وذروة الشر.

اعتقد انه قد حان الوقت – والخطاب هنا للرجال فقط – بأن نتوقف عن دعم هيمنة الحضارة الذكورية ونبدأ بالاستماع لصوت المنطق بان لكل انسان بالغ عاقل ، ذكر او انثى ، الحق في فرصة عادلة في هذه الحياة وهذه الفرصة هي احترام انسانيته اولا وحريته ثانيا وترك الوصاية القسرية والتخلي عن عقلية التحكم واستعمار الانثى.. فالموضوع اخطر مما نظن....فدعونا نتابع..

تنتشر هذه الأيام ظاهرة تعلق الرجال بفتيات الليل بشقيهما المحلي والمستورد حتى تحولت العملية إلى تجارة منتشرة تسيطر عليها مافيات منظمة ، وتجد الرجل من هؤلاء ينثر نقوده يمينا ويسارا في اماكن السهر والنوادي من اجل نظرة أو ابتسامة او موعد فلقاء.. وقد يصل به الامر الى حد التعلق بإحداهن وينفق عليها كما يقولون دم قلبه تاركا زوجته واولاده وبيته محتاجا ربما الى اساسيات الحياة.. فما هوالسبب الذي يجعله هكذا وما هو السحر الذي يجده في بنات الليل ولا يجده في زوجته؟..... وقد اثبتت الدراسات غير الرسمية ان معظم الرجال من هذا الصنف يمتلك امرأة من النوع المقموع كما هي فتاتنا السابقة ووالدتها وهذا النوع بعد فترة تصبح الحياة معه اشبه بالحياة برفقة خشبة ... فالمرأة عندما نمارس عليها الوصاية القسرية وسياسات القمع وقراءة وتحفيظ قوائم الممنوعات والمحظورات اليومية والشهرية والفصلية والسنوية ، وكأنها كائن متخلف أو مخلوق غير مكتمل النمو.. فان تلك المرأة تتحول إلى شخص يسبب الكثير من الملل ونحن الرجال بجبروتنا المعهود ننسى بأننا نحن السبب في هذا الملل لذا نهرب من مواجهة المشكلة التي خلقناها بأنفسنا إلى امكنة اخرى لاتتواجد فيها المشكلة.....

نحن ربما بسبب موروثات أو معتقدات خاطئة جعلنا من المرأة مخلوقا مسلوب الارادة... ثم اكتشفنا باننا لانستطيع التعايش مع مخلوق من هذا النوع فهربنا منه الى مخلوقات ليلية كاملة الحرية ووقعنا في مطب الازدواجية بين "ما نحب" و"ما نعتقد".

انني ادعوكم اصدقائي واعزائي إلى انهاء تلك الازدواجية واستبدالها بالبديل الطبيعي والحقيقي وهو حالة التوحيد بين مانحب وما نعتقد.... والطريق الى حالة التوحيد يبدأ بالحرية ولا بديل عن الحرية فالمرأة ياأصدقائي مخلوق رقيق عطوف محب جميل والجمال خلق ليكون حرا طليقا محلقا.

Monday, November 26, 2007

Cheat Code

ينتشر هذه الأيام بين أوساط الشباب واليافعين مصطلح له أهمية كبيرة في عالمهم وهو cheat code و لمن لم تسعفه ثقافته من عالم البالغين بفهم او معرفة هذا المصطلح ، فانه يعني مفتاح الغش أو مفتاح الفرج كما احب أنا ان اسميه ، ومبدأ عمل "التشيت كود" هذا مبدا بسيط جدا ، فهو مجموعة من الاحرف والارقام يتم ادخالها إلى لعبة من العاب الكمبيوتر مما يؤدي الى اكتساب قوة جبارة ، أو كميه هائلة من النقود ، أو حتى حياة لانهاية لها ، فتتمكن من كسب تلك اللعبة بتفوق وبسهولة شديدة.

وألعاب الفيديو أو الكمبيوتر وللعلم قد تطورت تطورا عظيما ، واصبحت تحاكي الواقع الفعلي بدرجة كبيرة جدا و في اوجه متعددة ، فمنها الحربية والاستراتيجية والرياضية والمغامرات ، لا بل هنالك العاب الان تشابه وتقلد الحياة نفسها.. وعند ادخال ال cheat code الى تلك الألعاب فانك تتحول تلقائيا الى سوبرمان يمتلك اسلحة جبارة وموارد غير محدودة وسلطة لانهائية ، وهنا تبدأ المتعة الحقيقية ، فلا شيء بعدها يمكنه ان يقهرك ، ولاتقدر اية قوة ان تزحزح جبروتك!...ولكن المفاجئ حقا انك وبعد مرور فترة بسيطة ، تصبح اللعبة بمجملها لعبة مملة ولا معنى لها ، مما يؤدي بك الى هجر تلك اللعبة ولعن الساعة التي ادخلت بها "التشيت كود" ، فقد أصبحت في وضع لاتحسد عليه ، فانت لم تعد تستطيع اللعب بشروط اللعبة الصعبة الاصلية ، كما ان اللعب بالشروط السهلة لم يعد يحقق لك المتعة المرجوة ، فهل ينطبق هذا على الحياة نفسها؟ سؤال خطير جدا.... دعونا نرى:


كان حكمائنا العجائز يؤكدون دائما على عدم وجوب طلب المال والسعي اليه مدعين بان من أعطاه الله المال ربما حرمه نعمة الصحة ، ولم يتطرقوا ابدا لمن اعطاه الله المال والصحة سوياً!..ربما هي حالة لم يصادفها حكمائنا العجائز ..حتى يطرحوها كاحد الاحتمالات الممكنة الحدوث في حياة الانسان والدليل صديقي القادم هذا:


فهذا الصديق يعتبر من أساطين المال والأعمال ، وهو بالمناسبة يمتلك صحة ثور من الطراز البلدي ، يعاني من اكتئاب مزمن مصاحب لحالة أرق شديد ، وقد تمكنت من اكتشاف ذلك عندما ترافقنا في رحلة خارج حدود البلاد ، وكما يقولون لاتعرف الانسان الا عند السفر ، ففي ساعة صفاء بعد يوم وليلة حافلة اعترف لي اعترافا خطيرا...فقد قال: أتدري يا صديقي اني اكبر مزيف عرفه التاريخ! ، فأجبته مستغربا لماذا..كيف؟ ظاناً انه يعني بقوله تزييف العملة أو شيء من هذا القبيل ، فأجابني قائلاً: اني أكبر مزيف للسعادة ، فالناس تراني في سيارتي الفارهة أو في مكتبي الفخم أو برفقة زوجتي الجميلة ، مبتسما نضرا يفوح مني عبق الحياة ، وهم لا يعرفون اني أكثر الناس تعاسة واكتئابا وحزنا ، فقد فقدت الاحساس بطعم الحياة الحقيقي ولم يعد لأي شي معنى ، فكل ما اريده او ارغب به استطيع الحصول عليه بلمح البصر.


انها حالة طبيعية فصديقنا هذا قد حصل على الكود ، واصبحت لعبة الحياة بالنسبة له أسهل من أن تطاق!.


أما الحالة الأخرى ، فهي لأحد الأشخاص الذين يشار اليهم بالبنان في عالم الجمال والدلال وصاحب غزوات وانتصارات حمراء عظيمة ، بل وبلا مبالغة يمكن اعتباره اسطورة من اساطير زمانه وشهريار القرن الحادي والعشرين بلا منازع ، هذا الدونجوان وبفضل مهاراته غير الاعتيادية اصبح بالنسبة اليه موضوع اصطياد إمرأة...اية إمراة وايقاعها في شباكه عملية اسهل من اصطياد سمكة تعيش وحيدة في حوض اسماك صغير ، ونتيجة لتلك السهولة فقد مل اللعبة واصبحت ممارسته لها من قبيل انه لم يجد شيئا آخر يفعله غير الاستمرارفي تلك الهواية.. والحق يقال ان حياة هذا الرجل غنية باحداث غاية في الطرافة ومليئة بقصص شديدة الاثارة والغرابة ، ومن الممكن ان اقص عليكم احدى مغامراته اللطيفة في مقالة خاصة - اذا سمح لي بالطبع – وللعلم فقد نصحت صديقنا هذا في محاولة مني لاخراجه من دائرة اللاجدوى ، بأن يؤلف كتابا وحلفت له ايمانا غليظة بأن كتابه هذا ان وجد طريقا للحياة فسيكون نبراسا ودليلا يهتدى به لقطاع واسع من الذكور والفحول التعساء في عالم الحب والغرام والاشواق والهيام.


الحياة يا أصدقائي ليست مجرد لعبة ، ولن تكون كذلك أبدا..الحياة فن ونحن في هذه الدنيا لسنا مجرد لاعبين ، انما نحن محترفين للفن .. فن الحياة .. فكما ان اللوحة الفنية لاتكون سكبا للون واحد فقط انما اندماج وتوافق وهارمونية لمجموعة ألوان ، وكما ان المقطوعة الموسيقية لاتكون نقرا متواصلا لنوتة واحدة لاتتغير انما تتابع وتجاذب وانسيابية لنوتات وطبقات عديدة ، فكذلك الحياة فهي ليست لعبة مال أو سلطة أو ملذات ، انما هي تناسق وتنافر وتجاذب وتباعد وانسجام يتداخل ويؤثر ويتاثر ، لذا فمن المهم ان نفهم هذا الفن ، فن الحياة حتى نستطيع ان نعيش الحياة.. نعيش وليس مجرد أن نتعايش أو نعتاش او نتعيّش ، ولنتذكر دائما حتى لو لم نقتنع بان الحياة فن ، وحتى لو اصررنا على انها مجرد لعبة نلعبها ، لنتذكر جيدا ان لعبتنا هذه لعبة الحياة وللأسف لايوجد لها "تشيت كود".

Monday, November 19, 2007

أوجه الحقيقة

مالذي يمكن ان تثيره هذه الصورة فينا؟ سؤال بسيط جدا ولا اعتقد ان اي منا بحاجة إلى اكثر من بضعة ثوان للإجابه عليه ، ومن المحتمل ألا نكتفي فقط باجابة اعتيادية انما قد نسترسل ونفصل ونصول ونجول فيما يمكن ان تثيره هذه الصورة وقد نصل الى حد الشعر، وربما اذا حالفنا الحظ بمستمع من النوع الجيد لبدئنا بسرد لتاريخنا النسائي الحافل بمثل هذه المرأة وغيرها من ذوات الدلال و خارقات الجمال.

ولكن السؤال الأهم والابسط من سابقه والذي يجب ان نطرحه فعلا هو عن ماهية تلك الصورة؟ هل هي مجرد وجه جميل وجذاب ؟ ام صورة لامرأة مثيره ؟ بل ربما هي صورة موديل محترفة قد تكون معروفة على نطاق واسع لم تسعفنا ذاكرتنا في التعرف على اسمها الكريم ، وقد يدور جدال حول كون النسب الجمالية في هذه المرأة هي من صنع الطبيعة وحدها ام بفضل مشارط وأدوات اخصائيي تجميل محترفين.

واذا نظرنا للأمر من زاوية تقنية فالسؤال يصبح : هل هذا وجه امرأة ام هو مجرد مجموعة من البيكسلز (النقاط الضوئية) مجتمعة ومرتبة بتنسيق وبدرجة وضوح وشدة اضاءة معينة ، والحق يقال ان النظرة الى تلك الصورة بالطريقة التقنية السابقة سيلغي اي تأثير سابق لتلك الصورة وسيصبح الامر بالنسبة الينا مجموعة من المصابيح الصغيرة جدا جدا مرتبة ترتيبا معينا.

اذكر انه عندما كنا في فترة المراهقة اتانا احد الأصدقاء وبيده لفافة بداخلها شريط فيديو متحرر من مقص الرقيب ، وقد دخل علينا دخول الفاتحين المنتصرين العائدين بالغنائم ، وخلال مشاهدتنا الحثيثة لهذا الشريط المتحرر قاطع صمتنا وذهولنا صديق آخر بقوله: ماهذا الذي تشاهدونه؟ انه ضوء مجرد ضوء يخفت احيانا ويشتد احيانا أخرى.. وهذا الصديق المسكين وقتها قذفناه باحذيتنا مطالبين اياه بالصمت وبان يخفت هو الى الأبد ليدعنا وشأننا غارقين في متعة المشاهدة.

واستطيع ان اقول الآن محللا سبب غضبنا من هذا الشاب بأنه قد اعطانا جرعة من الحقيقة أكثر مما كنا بحاجة اليه في ذلك الوقت ، والأكثر من ذلك انه قد افقدنا متعتنا فعلا ، فانا تحديدا دون باقي الاصدقاء لم استطع متابعة باقي احداث الشريط المتحررة ، من غير ان افكر بأن ما اشاهده هو مجرد انعكاس للحقيقة وليس الحقيقة نفسها اي انه ببساطة وهم ضوئي.

أما الطامة الكبرى والجرعة المخيفة من الحقيقة ، فقد كانت من شخص آخر وهو مدرس مادة الأحياء أو البيولوجي ، هذا المدرس المحترم قد طلب من حضراتنا نحن طلابه الأعزاء بأن يقوم كل واحد منا بانتزاع شعرة من شعيرات صدره ويضعها تحت المجهر، لنبدأ الرؤية من خلال عدسة المجهر لتلك الشعرة ، وقد نظرت انا من فتحة المجهر ويالهول مارأيت: عوالم من الكائنات المخيفة تتجمع وتعيش مع وعلى تلك الشعرة ، مع العلم باني كنت قد اغتسلت في صباح ذلك اليوم ، واهما ان جسدي لي وحدي بينما هو ملكية مشتركة لملايين الكائنات الحية ، وقد علت في ذلك اليوم صرخات الاستعجاب والهول من جميع تلامذة الصف.

هل للحقيقة وجه واحد ، ام اوجه متعددة ، من هي العدسة الأكثر صدقا ، هل هي عدسة العين ام عدسة المجهر؟

يقول العلماء ان الانسان يرى ويسمع ويحس بدرجة معينة مدروسة ودقيقة ، وهي ما يحتاجه بالضبط للاستمرار في حياته ، ولو كانت اكثر أو أقل من ذلك فانه سيفقد القدرة على الاستمرار وستصبح حياته اشبه بالجحيم ، ولكن الانسان كائن مفكر ، وليس هناك حدود لنطاق أو مدى هذه الطاقة التفكيرية ، وهو أي الانسان من خلال التفكير والتجربة والتعلم تتكون لديه المعرفة وتتشكل الخبرة ، وتلقائيا تصبح الحقيقة أو مجموعة الحقائق منظومة دائمة التطور والتجدد.

وهنا يكون الصراع حول مفهوم الحقيقة من حيث كونها نسبية ام مطلقة صراع لا معنى له ، فالحقيقة ليست كينونة صنمية محددة تمارس انوجادها زمانيا ومكانيا كاشكالية وهدفا لاكتشاف يحققه البشر، انما هي عملية انسيابية متناغمة حدودها الكون تتمازج وتتقاطع وتتفاعل بديناميكية مع مسيرة الجنس الانساني.

Saturday, October 13, 2007

ملامح . . الإنسان الأردني!

لا أدري اذا كان ماسأكتبه الآن هو مدح أم ذم ، ولااعرف اذا كان في مجمله جادا ام ساخرا ، مطولا ام مختصرا ، ولا استطيع أيضا ان اتوقع ردة فعل متلقي هذه المقالة وخصوصا اذا اعتبر هذا المتلقي ان عنوانها يعنيه شخصيا كانسان اراد له القدر ان يكون اردني ، فخارطة الفعل ورد الفعل في المنظومة الأردنية غير واضحة المعالم اصلا ... ولكن دعونا وقبل البدء في هذه المسيرة المقالية أن نضع تعريفا واضح المعالم لهذا الانسان الاردني.

الإنسان الأردني: هو كل انسان عاش ولفترة تمتد أكثر من عشر سنوات متواصلة داخل حدود الأردن بغض النظر عن بلد المنشأ ( وذلك حسب تعبير الاخوة المستوردين) أو عن الخارطة الوثائقية... نعم الوثائقية وليست الجينية بهذه البساطة هذا هو الانسان الاردني ، وذلك لانه في فترة عشر سنوات يكتسب الانسان عادة قاموس البيئة العام ، وهذا القاموس ليس لغويا وحسب وانما لغويا و اصطلاحيا .. ولا نبالغ اذا اعتبرناه اسلوب حياة شامل وليس مجرد قاموس.. نعم يكتسب الانسان هذا كله في فترة عشر سنوات.

مشكله الانسان الاردني الأولى تكمن في كونه غير معروف على حقيقته ، فليس لهذا الانسان صورة او سمة عامة يمكن من خلالها تمييزه عن الآخرين من قاطني هذا العالم ، وهو من جهة اخرى لم ولن يستطيع ايصال صورة غير مشفرة عنه وذلك إما لانعدام مهارة التعبير والنقد أو لعدم امتلاك التقنية اللازمة للتداول مع الآخرين والتعبير عن الذات ، والدليل على هذا هو عدم نجاح اي تجارب درامية اردنية حتى على المستوى المحلي وذلك لانعدام فن الحوار مع الآخر.

(الآخر)... وهذا مصطلح مهم جدا في قاموس الانسان الاردني فالآخر هو كل ماليس أنا حيث تبدأ الدائرة بالكون كله وتنتهي بأقرب فرد في الاسرة... أخي .. أبي ...أمي....فالانسان الاردني يجد صعوبة فطرية في عملية الانتماء إلى مجموعة ... مهما كانت تلك المجموعة زملائه .. عائلته ... جيرانه ....اصدقائه وبل وتصل هذه الصعوبة إلى المجموعات المؤقتة زمنيا كمجموعة الركاب في وسيلة نقل عامة فهو حقيقة لا يستطيع بسهولة تبادل الحديث مع الركاب الآخرين في الباص مثلا أو الصاعدين معه في مصعد لاحد العمارات العالية..... وكذلك تجد من الندرة في مطاعم ومقاهي وأماكن المدن العامة تواجد مجموعات تتجاوز الشخصين في الأردن.. وتلك لامانة النقل ليست احصائية وانما هي مجموعة من عمليات الملاحظة المتتابعة لهذه الظاهرة من شبه انعدام المجموعات.

الآخر هو دائما غريب ولولا خشية خدش الحياء العام لقلنا الاخر هو دائما عدو فأخي هو عدوي ومنافسي في الميراث وزميلي هو عدوي ومنافسي على الكرسي... وأحيانا الطاولة..... وصديقي هو عدوي ومنافسي على فتاتي التي احب أو حتى منافسي على نظرة من عابرة سبيل... وابن عمي هو عدوي ومنافسي في المباراة العائلية العالمية لمن هو فهمان وناجح أكثر وجاري هو ايضا عدوي ومنافسي اللدود على موقف السيارة وفي بعض الأحيان على سطل الزبالة أو على احتلال الموقع الاستراتيجي لجهاز الاستقبال (الدش) على سطح العمارة.

وفي ظل المفهوم السائد بأن الآخر هو عدو دائما وأبدا ولن يتغير مع القسم بأغلظ الأيمان والحلفان بأنه لن يتغير حتى بعد موته.. فإنك اول ما تلاحظه على الوجه الاردني هو العبوس أو الكشرة حسب التعبير السائد اردنيا.. لذا لا تستغرب اذا سألت أي سائح جلبته الأقدار إلى الديار الأردنية...يأن انطباعه الأول (أنا مابيعرف ليش هاذا شعب هنا في اردن دايمان في كشرة) هذا اذا كان السائح هندي ويقول ( أنا ماعرفش هما مكشرين ليه... هو في ايه) اذا كان السائح مصري ويقول( مابيضحكو للرغيف السخن) اذا كان سائحا أو تاجرا شاميا.. وهم اي السواح مساكين لايعرفون سر تلك الكشرة بأنها هي خط الدفاع الأول ضد الآخر والله يسترهم من التعامل مع الخطوط الدفاعية الأعمق.

وهذا يقودنا الى الحديث عن الخطوط الدفاعية وهو مصطلح مهم جدا جدا في القاموس الأردني... لا بل هو اكثر من مجرد مصطلح انه عنوان يندرج تحته العشرات من السلوكيات المعقدة التركيب والفهم... فالكشرة كما عرفنا سابقا خط الدفاع الأول وهي سمة عامة وسلاح شائع الاستعمال لدرجة تقترب من الشمول.

أما الخطوط الدفاعية الأخرى فتختلف من شخص إلى آخر كطريقة أو مجموعة طرق ولكنها تتفق في استراتيجياتها العامة وخطوطها العريضة فهي بشكل عام تتخذ صيغة التهكم أو التعدي أو الاستغابة أو البهتان أو كلهم معا.. وهناك الاستراتيجية الملقبة باستراتيجية الأسئلة السمجة والتي يكون الهدف الأول منها خلق قائمة طويلة من العيوب واسقاطها على الشخص المقابل لتعزيز حس التفوق عند الشخص السائل وحس التفوق هذا مهم جدا لتعزيز الشخصية وواعطاء حس بالثقة زائف ولكنه مريح لبعض الوقت وكنتيجة لما سبق يعتبر البدء بالتكتيكات الهجومية ضمانا لتحطيم الثقة بالنفس عند الآخر فالهجوم هو خير وسيلة للدفاع وهذا مايدركه جيدا الانسان الاردني فاذا حقق هدفه يصبح الشخص المقابل جاهزا للانتماء إلى قائمة قليلي الحيلة.

وقليلي الحيله هؤلاء هم مجموعة تكاد تكون جل الشعب الاردني فهم السواد الأعظم وهم الأغلبية المسحوقة من قبل الأقلية الذين سندعوهم من الآن فصاعدا كثيري الحيلة وفي معظم شعوب الأرض وكما جرت العادة تكون الطبقة الشعبية مسحوقة من قبل الحكومة أو من قبل جهة اخرى خارجية ظاهرة ام خفية -كالاستعمار مثلا- أما ان يسحق الشعب بعضه بعضا فهو الجديد والسبق الذي ليس وراءه أي سبق والذي حققه الإنسان الاردني ولا فخر.

ونعود لموضوع قليلو الحيلة فهؤلاء أشخاص موضوعين في قوالب لا يستطيعون الخروج منها وقد تم وضعهم داخلها من قبل أقرب المقربين اليهم ومنذ بداياتهم الأولى.. فالأب والاخ الأكبر وكبير العائلة والمدرس وشيخ الحارة والطبيب وكل من له سلطة بحكم معرفته او بحكم القدر يمارس القولبة على من هم ادنى منه درجة فالأوامر والاحكام والنصائح والمعلومات تصدر دائما في اتجاه واحد وليس مسموحا لها ان تكون في اتجاهين ابدا... اذا قليلو الحيلة ليسو درجة واحدة وانما هم فوق بعضهم بعض درجات واذا اردنا ان نكون واقعيين أكثر فالندية غير موجودة على الاطلاق فالانسان الاردني اما غالب او مغلوب وإما قاتل او مقتول واما مسيطر او مسيطر عليه ولا يعترف الانسان الاردني بعلاقة الانداد او الاقران فهناك دائما وسيلة للتفوق على الآخر والمضحك المبكي حقا انك قد تحاور انسانا مقهورا من قبل انسان اخر فيقول لك انا اخذه على قدر عقله فانا من يضحك عليه اي انه يتم تفسير الهزيمة بصورة انتصار.. واذا امعنت في التحليل فإن هذا التفسير هو 2 في 1 فهو يجلب التقدير من الآخر وفي نفس الوقت يريح الشخص المفسر.

في ظل هذا كله نجد ان بعض الناس قد اختار ان يكون متفرج فقط اي انه لايعيش الحياة وانما يتفرج عليها فقط.. وهؤلاء الفئة المتفرجة ليست بالضرورة من فئة قليلي الحيلة او اي فئة اخرى محددة ولكنها تشكيلة من جميع الفئات اوصلها اليأس الى منطقة اللاجدوى فهم متفرجون وبدون اي تعليق.

Saturday, October 6, 2007

باب الحارة

هناك حكمة تقول
Just be your self and let the others see how beautiful you are
وتعني بالعربية "احرص ان تكون على سجيتك وستدرك كم يراك الآخرون جميلا" ، وأنا لا أعرف بالتحديد من هو صاحب هذه الحكمة ، أو من أي أرض أتت ، ولكني متأكد من أنها لم تأت من الأراضي العربية ، ولكن وعلى أية حال فتلك الحكمة تعني ان لكل انسان طبيعة متفردة تميزه عن الآخرين ، وعليه فإن مهمة الانسان الأولى الحرص على تلك الطبيعة ليبقى متفردا متميزا محافظا على قيمته الأساسية ، مستمرا بالحصول على تقدير الآخرين

من المتفق عليه ان الطبيعة الاصلية لأي انسان هي ما يولد عليه مضافا له ما يحققه من مكتسبات وخبرات ليصبح في النهاية كيانا انسانيا متفردا.. مساهما في بناء مجتمعه المحيط به ، متفاعلا معه ، ونسبة تقبل المجتمع لأي فرد تتناسب مع مقدار أصالته وتفرده.. فنحن جميعا نكره النسخ المقلدة ونحب مايثير فينا مشاعر التجديد والحداثة مهما كان مستوى الأداء ، فنحن لا نستطيع احتمال شخص يقلد شخص آخر في طريقة الكلام مثلا ونطلب منه الكف عن ذلك والعودة إلى طريقته الأساسية في الحديث ، ولا نستطيع احتمال قصيدة تحمل ملامح شعرية لشاعر آخر ولكننا دائما نمنح الفرصة لأي مبادرة أصيلة حتى لو كانت قيمتها الفعلية منخفضة

في هذه الأيام يتابع المشاهد العربي.. العمل الدرامي السوري "باب الحارة" ولقد أخبرني أحد الأصدقاء الإعلاميين بأن هذا المسلسل حصل على المركز الأول في قياس نسب المشاهدة ، ومع اني لاأعرف ما يعنيه ذلك على وجه التحديد ولا كيف يقيسون نسب المشاهده هذه ، إلا انني أستطيع القول بأني أنا وتقريبا جميع من أعرفهم نتابع هذا العمل بشكل يومي ومنذ بداية عرضه ، مما يعني انه اذا كنا سنتحدث عن هذا العمل الدرامي ، فنحن سنتحدث عن قصة نجاح وظاهرة تستحق التوقف عندها ، ومع اقرار العديد من المشاهدين بأن هذا العمل مطول وان القصة لا تستحق كل تلك الساعات من البث ، بل يمكن اختصارها إلى النصف بدون فقدان اية قيمة ، إلا انهم لايستطيعون التزحزح عن مجالسهم والتحديق في شاشاتهم حينما يحين وقت العرض، فما هو السر؟ دعونا نرى

ان السر يكمن في الحكمة السابقة التي بدأنا بها حديثنا ، فالقائمون على هذا العمل لم يقدموا لنا قصة ذات بنية محكمة وأبعاد درامية متعددة المستويات وشخصيات مركبة ومعقدة ، بل هي حكاية شعبية بسيطة ذات بعدين – الخير والشر- وهم حتى لم يخرجوا بنا خارج الاستوديو إلا في مشاهد قليلة مقحمة في محاولة لخلق شخوص ونماذج بطولية تمنح العمل قيمة وطنية أشعرت المشاهد بأنه تم افتعالها...اذا لماذا كل هذا النجاح؟ وتلك النسبة العالية من المشاهدة؟ وسر حالة انغماس المشاهدين في أحداث هذا العمل؟..انه ببساطة الصدق والأداء على السجية ، حيث ينقل المشاهد بسلاسة إلى جو طبيعي تلقائي حقيقي نجح بتجسيد واقع الزمان والمكان ليضعنا مباشرة أمام بيئة شامية صرفة جميلة ، إضافة إلى الأداء التمثيلي الخالي من عمليات التحوير و التبعيد عن الواقع والحوار بلكنة واصطلاحات تنتمي إلى ذات البيئة.. بأصالة وواقعية ..

والشيء الذي أراد القائمون على هذا العمل قوله ببساطة "هانحن ذا" وهاهي الطريقة التي كنا نعيش بها ببساطة وصدق ننقلها لكم بدون اي رتوش وافتعال ، مما أدى إلى غفران عمليات التطويل المتعمدة لأغراض هي بالطبع تجارية ، ومع ان كلامي هذا قد لايعجب النقاد المحترفين وربما يجدوه سطحيا وتافها ولكن على اية حال انا لست ناقدا دراميا محترفا ولكنني معني بالنجاح من الناحية التحليلية وعلى كافة المستويات والأصعدة

نحن جميعا ننشد القبول من الآخرين ونشعر بلذة وسعادة ونشوة اذا ما قمنا بعمل ما واعتبره الآخرين مميزا وامتدحونا لأجله ، ولكنا أحيانا نقع في سوء التقدير.. ونقلد الآخرين وذلك كانعكاس لحالة إعجاب شعرنا بها نحو عمل أو اسلوب ما وأدى ذلك بنا إلى ارتكاب عملية تقليد لاكتساب ذات التقدير، بينما نغفل عما يكون داخلنا من طاقة ربما لو أطلقناها لكانت النتائج مرضية ومقبولة بشكل أكبر

وقد يكون من المفيد ان اذكر هنا مثال آخر للأصالة في الأداء وقصة اخرى من قصص النجاح ، وهي قصة المغني العالمي الجزائري الشاب خالد.. فهذا الشاب الوهراني الأصل والذي غنى بنبض بلدته وهران وابتدع اسلوبا وايقاعا غنائيا جديدا (الراي) اصبح اليوم مميزا ومطلوبا على مستوى العالم ، والدليل هو حفلاته الغنائية في أوروبا والتي تمتلئ بالجمهور بشكل لم نشهد له مثيل من أي مغني عربي آخر

انها الأصالة يا أصدقائي نعم الأصالة باختصار هي أول خطوة نحو النجاح ..فلنسبر أعماق انفسنا وليبحث كل منا عما تخبئه نفسه من طاقة وامكانيات كامنة ، ولنخرج إلى الواقع تلك الأفكار الفريدة التي تدور في رؤوسنا.... ولنكن على ثقة بأننا عندما نظهر للعالم بنفس مانحن عليه فسيشعر العالم بأننا صادقين وطبيعيين ومتميزين.. أما عندما نحاول التقليد والتشكيل والتجميل فسيرفضنا العالم وسيلقي بنا جانبا في أحد الهوامش وإعلموا يا أصدقائي ان النقي ليس كالمنقى ، والسائر ليس كالمسير، والجميل ليس كالمجمل

Friday, September 28, 2007

الحب ..الحب

في أحدى محاضرات مادة مبادئ الفلسفة في الجامعة بادرنا البروفيسور بسؤال بدا لنا وكانه سؤال تافه.. لقد طلب منا ان نذكر ونعدد له اشياء ذات شكل دائري .! فبدأنا تباعاً بقذف الاجوبة بسرعة واستخفاف .. الرغيف ، الدولاب ، القمر ، الشمس ، الساعة.. الطبق .. الاسطوانة . . . فقاطعنا قائلا: مع احترامي لكل أجوبتكم ولكن لاشيء مما ذكر تنطبق عليه مواصفات الدائرة المتعارف عليها هندسيا.. فالدائرة كمفهوم هي حركة محورية لنقطة حول مركز تبتعد عنه مسافة ثابتة وجميع اجاباتكم السابقة هي لاشياء شبه دائرية ولكن لو تم قياسها بدقة فسنكتشف انها ليست سوى محاولات للاقتراب من الشكل أو المفهوم الدائري . .. والنتيجة – والكلام للبروفيسور- انه لايوجد في العالم دائرة كاملة الدوران، ولا حتى سطح تام الاستواء ، ولا خط تام الاستقامة ، حتى مفهوم التساوي ايضاً هو مجرد فكرة فلن نستطيع ان نجد اي شيء مساو لشيء آخر تماماً.. ، والفلاسفة يقولون ان هذه المفاهيم المطلقة موجودة فقط في عالم المثل وليس في هذا العالم الذي نعيش فيه

هذا كان ملخص شديد الاختصار لموضوع تلك المحاضرة اللعينة ، والتي جعلتنا ننظر لعالمنا هذا بطريقة أخرى ، حيث اكتشفنا وبطريقة مفاجأة ان جميع ما تحتويه ذاكرتنا ونعتبره من المفاهيم الثابتة في عقولنا ، ليس له ما يقابله من مشاهدات الواقع ، والسؤال الأخطر الذي يقفز للذهن ، هل ينطبق هذا الكلام على مفهوم الحب ، وهل من الممكن ان يكون هذا المفهوم الجميل والذي يأخذ من اعصابنا واهتمامنا ونشبعه تحليلاً وتعريفاً واحصاءاًً ، هل من الممكن أن يكون وهماً وليس له مايقابله على أرض الواقع ، أي بالعربي الفصيح هل يمكن ألا يكون هناك حب؟ في هذا العالم

لانبالغ اذا قلنا ان لكل منا مفهومه الخاص عن الحب.. فلا يوجد تعريف متفق عليه بين الناس عالمهم و جاهلهم ، فاشكالية الحب ليست بنفس بساطة موضوع الدائرة السابق ، ولكنه بلا شك موضوع في منتهى الأهمية ويرتبط ارتباطاً وثيقاً باستمرارية الحياة وجدوى الوجود..والادهى من ذلك ان الحب هو مسألة شخصية ولابد ان نجد انفسنا في يوم ما مضطرين للتعامل معها.. والويل كل الويل لمن تعامل مع موضوع الحب بسطحية أو بتسرع.. فهو سيصبح خبير دولي في شؤون التعاسة والكآبة ومتمرس محترف لمكافحة عمليات النكد المتعمدة وغير المتعمدة وستصبح حياته سلسلة من العذابات المتتالية

إذا فلنتفق على ان مسألة الحب خطيرة وهي ليست مجرد ترف فكري أو أدبي ، انها بكل بساطة مسألة سعادة أو تعاسة ، حياة او موت ، والقصة تبدأ دائما من المنطقة المسؤولة عن الخيال في داخلنا ، حيث تنمو أول بذرة محبة لتصور لنا مفهوما غالبا مايكون بدائيا وساذجا عن الحب ، وتستمر تلك الفكرة بالنمو متغذية على تجاربنا وخبراتنا المكتسبة ومطالعاتنا واطلاعنا على تجارب الآخرين ، حتى يتكون لدينا ما نعتقد انه تصور نهائي او تعريف دقيق لماهية الحب ، وعندها تبدأ عمليات البحث عن الشريك ، والذي سنمضي معه بقية حياتنا بسعادة حتى النهاية ، لنعيش بسبات ونبات ونخلف صبيان وبنات..ولكن هل هذا مايجب ان يحصل دائما بالضرورة..؟.. طبعا لا فهناك احتمالات كثيره لهذه القصة ، فالبذرة الأولى التي ذكرناها سابقا قد تكون مشوهة أصلا ، وأرضية الخيال التي نمتلكها قد لا تكون خصبة ، وحتى تجاربنا وتأثراتنا الاجتماعية والفكرية قد تؤدي بنا إلى بناء تصور نهائي بعيد تمام البعد عن المفهوم المفترض للحب

تقول الاسطورة اليونانية القديمة ان لكل انسان نصف آخر لو استطاع العثور عليه لكان أسعد مخلوق على وجه الأرض واذا لم يستطع فإنه سيحاول عبثا ان ينشد السعادة ولن يجدها ، والمشكلة في تلك الاسطورة انها تقول ان هذا النصف الآخر ليس من المحتم ان يكون موجودا في نفس المكان الذي يتواجد فيه نصفه ، وايضا ليس بالضرورة ان يكون في ذات الزمن... وان الحكمة في هذا الوضع من صعوبة الحصول على الحب وندرته ، هي مايجعل للحب قيمة عالية ، يستحق من خلالها ان يكون هدفا أسمى...اسطورة جميلة بلا شك ولكن دعونا نعود الى عالم الواقع

ان استحالة الحصول على شيء دائري بدقة وتمام كما ذكرنا في البداية، ليست مشكلة عويصة كما تخيلنا سابقا ، فالانسان يكتفي بالدائرية الممكنة الحدوث في عجلات سيارته مثلا لانها تكفي لايصاله من مكان إلى آخر، ويكتفي بالاستواء الحاصل في ارضية بيته ، ولا يعنيه النتوؤات المجهرية التي لن تعيقه عن التمتع بتلك الأرضية.. ومفهوم الحب عند الانسان وان كان غير ناضج تماما إلا انه قد يكفيه لتحقيق سعادته المنشودة

هناك حكمة انجليزية معاصرة تقول "من الممكن ان تحب قلبا قد عذبك ولكن لاتعذب قلبا قد أحبك" وقد قالت الام تريزا: احتياج الناس للحب في هذا العالم يفوق كثيرا احتياجهم للخبز. أما العالم الكبير والشديد الظرف أنيشتاين فقد قال: ان الجاذبية الأرضية ليست مسؤولة ابدا عن هؤلاء الذين يقعون في الحب. وحتى الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش قال في الحب: الحزن والتعاسة والضغينة جميعها لها نهاية أما الحب فليس له نهاية أبدا. جميع هؤلاء وغيرهم كثير قد قالو في الحب .. ولكن في نهاية الأمر لاشيء يمكن ان يكون مضمونا وللأسف لاتوجد قواعد محددة لهذه اللعبة ، وقد يكون هذا ما يمنحها كل تلك الجاذبية ، لذا فنصيحتي مهما كانت النتائج ، تابعوا اللعب ، ولاتتوقفوا عن الحب