الاسبوع الفائت جالست مجموعة من الأصدقاء ، نتجاذب أطراف الحديث في سهرة حاولنا جميعا أن تكون سهرة لطيفة ، وحتى نستكمل تحقيق ذلك اتفقنا - ونادرا ما نتفق - على ان نشاكس صديقنا رمزي وذلك أثناء تواجده في الحمام وتم الإتفاق على كيقية المشاكسة وذلك بان نخالفه الرأي في اي من الموضوعات المثبتة بديهيا (كلون اللبن مثلا) ونستمتع بردة فعله.وبالفعل خرج رمزي من الحمام لابادره بالقول: أتعرف يارمزي كم هي نسبة الناطقين بالفرنسية من سكان باريس؟ فأجاب رمزي بسرعة: ماذا لاشك انك تمزح انها 100% وحتى من يقطن باريس من غير الفرنسيين فهو على التأكيد مضطر أن يتعلم الفرنسية... كلام جميل و معقول .. ولكن لأننا خبثاء رددنا عليه تباعا بما يلي
الأول: لا يارمزي ان المتحدثين بالفرنسية في باريس نسبتهم لاتتجاوز 50% وهي مشكلة فرنسا الأزلية ...ألم تسمع عنها في اي نشرة أخبار اولم تقرأ عنها في أي مجلة
الثاني: ماذا تقول ان سكان باريس الأصليين يرجعون إلى اصول اسبانية وذلك من أكثر من 600 عام وحوالي 60% من السكان يتحدثون الاسبانية كلغة ام واكثر من نصف هؤلاء لا يجيدون الفرنسية أصلا نصف هؤلاء... تغيرت معالم وجه رمزي قليلا وحاول المقاطعة فبادره أحدنا بـ
الثالث: ياحبيبي يارمزي لاعرف ماجرى لك ولكن أكيد سمعت عن مشكلة المدارس الأخيرة والتفاوت في المناهج بين المدارس الاسبانية والفرنسية وغيرها من المدارس الأخرى في العاصمة باريس فكيف تقول ماتقول
الرابع: ياجماعة أكيد رمزي بيمزح فهو رجل شديد الثقافة كما نعلم جميعا...انه بلا شك يمازحكم هل هناك أحد في الدنيا لايعرف بان باريس هي العاصمة الوحيدة في العالم التي لايتحدث أهلها لغتها وان ذلك يشكل وصمة عار لفرنسا امام جميع الامم الأوربية حالة صمت واستغراب تعلو وجه رمزي .... ويبدو انه اصبح على وشك موافقتنا على مانقول
فقذفه الخامس قائلا: ان فرنسا الآن تحاول إغراء السكان غير الناطقين بالفرنسية لترحيلهم إلى مدن ومناطق أخرى في فرنسا وقد أكدت لي زوجة ابن عمي الفرنسية ان ذلك كان وراء رحيلهم من باريس إلى مدينة سابونت النائية في الشمال سابونت النائية... لادري من اين أتى صديقنا بتلك المدينة . . سابونت . . ولكن على أي حال فإن رمزي أصبح في موقف لايحسد عليه
فالجميع بلا استثناء وهم بالمناسبة ثمانية أشخاص موافقون على عكس ما يعتقده هو صحيحا ونحن توقعنا منه أن يثور ويرغد ويزبد ويتهمنا جميعا بالجهل المطبق وبالتالي سنحصل على متعتنا في اغاظته والتفرج عليه..... ولكنه فاجأنا بانه وبعد أن سمع منا كل ماسبق نطق أخيرا.... ويا لهول مانطق قال: أه والله يا جماعة أنا لا امزح لابد اني سمعت عن تلك المشكلة ولا أذكر أين واعذروني لأني قد أجبت على السؤال بسرعة....وعلى أية حال ف باريس وان كان أهلها لايتحدثون لغتها!! إلا انها تبقى أروع عواصم العالم
باريس لايتحدث أهلها لغتها!!! تلك كانت النتيجة .... كيف حصل هذا وكيف توصل رمزي إلى تلك النتيجة المغلوطة....الجواب انه الإجماع.....ان للإجماع قدرة تفوق الحقائق .... وقد يؤدي الإجماع إلى طمس الحقائق وإلغائها من الوجود .... قد عبر الفيلسوف ديكارت عن ذلك حيث قال انه اذا أجمع الناس على أنهم لايرون شيئا أنت تراه...فإنك ستفقد القدرة على رؤيته
يا أصدقائي الأعزاء.... الإجماع هو خطر يجب ان نتنبه له....فكم من خرافات وأساطير ومعلومات مغلوطة تسربت إلى أعماقنا وبنينا عليها مخططات حياتنا لمجرد ان مجموعة كبيرة من الناس حولنا تؤمن بها ان أول خطوة نحو التميز هي ازالة قدسية الإجماع أي الايمان بأنه ليس من الضرورة أن يكون صحيحا كل ما يجمع عليه الناس.... ولنتذكر دائما ان جميع سكان الكرة الأرضية أجمعوا في وقت من الأوقات على ان الأرض مسطحة حتى أتى غاليليو وأثبت لهم انها كروية....وقد كلفه هذا حياته نعم فقد أعدموه لمخالفتهم وهذا يعطينا تأكيدا بأن مخالفة الإجماع محفوفة دائما بالمخاطر في المرة القادمة سأشرح لكم خطر التكرار ... فانتظروني................ انتظروا
10 comments:
مقال جيد جدا وأتمنى لك التوفيق والنجاح
رائع يا ابو قطيش،
كل حياتك فن ...
نكهة جديدة وشكل جديد عابر حدودالتصنيف والتقليد..إضافة إلى ما يحمله هذا النص من نكهة حاذقة في الوصف والسرد الشيقين. وهو في هذا كله ينطوي على رسالة تلقائية بقدر ما هي جوهرية.. رسالة مفتوحة المعنى والمغزى
غسان مفاضلة
وفنان وناقد تشكيلي
اقوا نوع استاذ داكلك اني اقوا نوع برا النوع عمود المقالة يا معود
المعتوه العراكي
never been thinking of it this way, but its amazing
by the way is this a real story or you just made it up
مقال جميل يا عماد...
اعتقد ان هناك اجماع مذموم واجماع محمود
فالاجماع المبني على الحق والصدق فهو اجماع محمود
اما الاجماع المبني على الباطل والكذب فهو اجماع مذوم وقد يقلب الحقائق كما في قصتك الجميلة
كل عام و أنت بخير
well i really agree with your article especially with the given example concerning galileo and the flat earth theory. On the other hand, i will have to greet you for such a subject that is rarely discussed, and in which you explained with no flaws.
Hope to read more of your writings :)
أعجبتني طريقتك في إيصال الافكار للجمهور حيث أنها تنم عن شخصية مميزة وذكية، وفي الحقيقة فإنني أؤيد حيث أن المجتمع في الوقت الحالي يعتمد على المعرفة المنقولة غير الموثوقةوهذاأمر مأسف
وأتمنى لك دوام التقدم والنجاح
شروق
Post a Comment